ملتمس الرقبة

ملتمس كان له رقبة ولم يكن له عنقا طويلا. هذا هو العنوان الذي راودني لأضع النقط على الحروف . من سخرية القدر أننا كنا نناقش ملتمس الرقابة فأصبحنا نناقش صراع من سيسلم ملتمس الرقابة الذي كان مرتقبا خروجه إلى حيز التنفيذ من طرف أحزاب المعارضة التي ظلت أكثر من ثلاث سنوات وهي تجذب أنظار الراي العام بخرجاتها البطولية والمتبجحة لفضح ريع الحكومة الحالية وتجاوزاتها الخطيرة التي تخدم مصلحتها في نسيان تام لمصلحة المواطن.
تمخض جبل فولد فأرا. فشل المعارضة في تفعيل هذه الآلية الرقابية طبقا لمهامهم الدستورية يسودها غموض وضبابية. كيف لحلم أن يموت قبل ولادته؟ أو آمال تجهض في رحمها إن أحسنت التعبير كما أحسنت الفرق البرلمانية المعارضة أنانيتها السياسية لتهافتها عن الزعامة والقيادة المؤثرة أو التموقع على رأس الهرم كصنم عظيم كبير والظهور اللامع والساطع في الواجهة لتقديم الملتمس. وهذا ما يدل بالواضح أنه ليست هناك إرادة سياسية قوية بل فقط البحث على الهيمنة واكتساح المقدمة من أجل الربح السريع بدون تراكمات فعلية، والضجة الإعلامية وترسيخ ثقافة البوز ثم تصدر المشهد السياسي الذي يخدم العملية الانتخابية.
شخصيا لا أريد خوض النقاش في متاهات حزبية بين الفرق أثناء الاستعداد لتقديم الملتمس لكن أقل ما يمكن أن نقول ان فشل المعارضة ناتج عن هشاشتها وأن ضعفها ناتج عن تشتتها وهذا ما يقوي خصمها الأساسي الحكومة الذي أعطته فرصة التفرج على عاصفة هادئة لا تحرك ساكنا ولا تسبب ضررا. فالكابوس الذي كان يقلقهم مر بدون المساس بعمل الحكومة التي أصبحت مستفيدة من ضعف خصومها أكثر من قوة مواقفها.
هذا الجدل يعيد طرح مسألة فقدان المعارضة إلى أفق حقيقي على أرض الواقع لهذا لم تنجح في بلورة موقف موحد، بسبب غياب التنسيق الفعلي، والتردد السياسي، الخلفيات الضيقة والحسابات الفارغة والتنظيمية، مما أدى إلى تجميد مبادرة «ملتمس الرقابة» في مهدها.
الانسحاب من هذا التمرين الديمقراطي دليل على أن معارضة الأحزاب السياسية لا تمتلك كيانات قوية ولا حضورا فى الشارع، ولا رؤية واضحة لترتيب أولويات القضايا التي تتبناها. بل أكثر من ذلك سيعمق الفجوة بين الناخبين والمنتخبين ويرسخ ثقافة العزوف السياسي وتراجع المشاركة السياسية والاهتمام بالشأن السياسي وفقدان الثقة في ممثلين الأحزاب السياسية نظرا للصراعات الداخلية والتنافس على الصفوف الأولى الأمامية.
اليوم أكثر مما مضى نحن في حاجة إلى معارضة مؤسساتية للنهوض بالمهام الملقاة على عاتقها في إطار تنزيل الدستور وفي أفق وضع سياسات عمومية قادرة على التجاوب مع المتطلبات المشروعة للمواطنات والمواطنين. معارضة مؤطرة ومنتجة لمفاهيم سياسية في غنى عن المعارضة الرقمية والاصطناعية أو المنطادية صلة بالمنطاد لكبر حجم رؤوسهم وفراغها من داخلها من اية ذرة دماغ تذكر.
بين مقصود لم ينطق ومنطوقي لم يقصد توضع الكثير من المفاهيم، لهذا على صاحب السلعة السياسية أن يكون نزيها ومسؤولا، وأن تكون سلعته صالحة وجيدة غير ذلك لا يمكنه أن يستقطب إلا الذباب.
وختاما أستحضر مقولة المفكر أنيس منصور “العاقل يستفيد من أعداءه والغبي لا يستفيد من أصدقاءه”.
بقلم الأستاذة حسناء شهابي

