التموقع النسائي: بين قلق الهوية وتحولات الجندر

التموقع النسائي: بين قلق الهوية وتحولات الجندر

 

الأستاذة الفاعلة الجمعوية لمياء المازجي

في زمنٍ تتسارع فيه الأسئلة أكثر من الإجابات، لم يعد من الممكن الحديث عن المرأة باعتبارها هامشًا أو استثناءً. لقد دخلت الساحة، لا من باب المجاملة، بل من بوابة الفعل والمشاركة والاشتباك مع قضايا المجتمع. إلا أن هذا الدخول، رغم زخمه الظاهر، ما يزال محفوفًا بأسئلة قلقة حول موقعها الحقيقي، وحول مدى استقلال هذا الحضور عن شروط الهيمنة السائدة.

لم يكن التموقع العلمي للنساء مجرّد لحظة عابرة في مسار التحديث، بل هو ثمرة تراكمات طويلة من الكفاح، والتعليم، وكسر الصور النمطية. ومع ذلك، فإن الحضور في المختبرات أو قاعات البحث لا يعني بالضرورة نيل الاعتراف. كثيرات بلغن مراتب علمية مرموقة، لكن صوتهنّ ما يزال باهتًا حين يتعلق الأمر بتحديد السياسات أو المشاركة في التوجيه العام للمعرفة.

وهذا ما يقودنا إلى التموقع في الفضاء السياسي، حيث تتكثف الرمزية أكثر من الفعل. إذ يمكن ملاحظة أن النساء حاضرات في البرلمانات والمجالس، أحيانًا بأرقام مشجعة، لكن في الغالب ضمن مقاعد محسوبة، ومهام “تجميلية”، تُخفي هشاشة التمكين وتُكرّس فكرة أن السياسة ما تزال “لعبة الرجال”. وهنا لا بد أن نسأل: هل الحضور العددي يكفي لتغيير المعادلات؟ أم أن الأمر أعمق من مجرّد تمثيل؟

التموقع الاجتماعي بدوره لا يخلو من المفارقة. فبينما تتصدر المرأة مشاهد النجاح في التعليم والمبادرات المجتمعية، تجد نفسها، في الوقت ذاته، محاصرة بخطابات أخلاقية لا تطال غيرها. يُطلب منها أن تكون قوية وملهمة، دون أن تُهدّد النظام القائم. تُحتفى حين تطيع الصور النمطية، وتُقصى حين تخلخلها.

وسط كل هذا، يطفو على السطح سؤال الجندر. هذا المفهوم الذي جاء من حقل الدراسات النسوية ليُفكك علاقات القوة المرتبطة بالنوع، تحوّل عند البعض إلى ملف شائك، بل إلى “مؤامرة ثقافية” تُهدد الخصوصية. المفارقة أن النقاش حول الجندر غالبًا ما يُختزل في ثنائيات سطحية: هوية مقابل تغريب، دين مقابل حداثة، بينما جوهر الجندر أعمق من ذلك بكثير. إنه ببساطة سؤال العدالة داخل المجتمع، وعدالة التمثّل قبل عدالة التمثيل.

قد يكون من المفيد هنا أن نعيد ترتيب الأسئلة. فبدل أن نبحث عن “عدد النساء في المواقع”، ربما علينا أن نسأل: بأي صوت تُعبّر هؤلاء النساء؟ ووفق أي شروط يُسمح لهن بالتعبير؟ وهل فعلاً هناك تموقع حر، أم تموضع مقنّن داخل هوامش مُحددة سلفًا؟

في النهاية، لا يتعلق الأمر بحرب مواقع بين النساء والرجال، بل بمعركة وعي ضد بنى تراتبية ترى في المرأة دومًا مشروع نقص، أو مشروع تمثيل. والمطلوب اليوم ليس فقط فتح الباب، بل إعادة هندسة العتبات، لئلا يبقى كل تقدم مرهونًا بإذنٍ، أو مقيّدًا بإطار.

admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *