متلازمة ستوكهولم: الأبعاد النفسية والاجتماعية لعلاقة الضحية بالمعتدي

متلازمة ستوكهولم: الأبعاد النفسية والاجتماعية لعلاقة الضحية بالمعتدي

✍️ بقلم: يوسف باجا – أخصائي نفسي إكلينيكي ومعالج نفسي

مقدمة
تُعد متلازمة ستوكهولم (Stockholm Syndrome) من الظواهر النفسية المعقدة والمثيرة للجدل في ميدان علم النفس. إذ تشير إلى حالة نفسية يطوّر فيها الضحية مشاعر إيجابية، وحتى عاطفية، تجاه الجهة المعتدية أو المُحتجِزة، بل وقد تصل هذه المشاعر إلى درجة الولاء أو الحب.
تم رصد هذه المتلازمة لأول مرة سنة 1973 أثناء حادثة احتجاز رهائن في بنك بمدينة ستوكهولم السويدية، حين أظهر الرهائن تعاطفاً ملحوظاً مع محتجزيهم، بل ودافعوا عنهم بعد انتهاء الأزمة.
تسعى هذه الورقة إلى تحليل الجوانب النفسية والاجتماعية لهذه المتلازمة، وفهم آلياتها العاطفية والدفاعية، وإبراز تجلياتها في علاقات فردية وسياقات اجتماعية أوسع.
أولاً: التعريف السريري لمتلازمة ستوكهولم
تُعرف متلازمة ستوكهولم بأنها استجابة نفسية غير واعية تظهر عند بعض الأفراد الخاضعين للتهديد، الخطف، أو سوء المعاملة، حيث يبدأون بتطوير مشاعر تعاطف، احترام، وحتى حب للمعتدي.
هذه الحالة تُعتبر آلية دفاعية، هدفها الأساسي البقاء النفسي والفيزيولوجي في ظل ظرف قاهر.
ثانياً: الآليات النفسية المفسرة
1. آلية التكيف مع الخطر (Coping Mechanism):
عندما يجد الإنسان نفسه في وضع مهدِّد للحياة أو للسلامة النفسية، يلجأ لا شعوريًا إلى تكييف مشاعره تجاه المعتدي، في محاولة لتقليل التوتر والتهديد.
2. الارتباط العاطفي كآلية بقاء (Attachment for Survival):
الضحية تطور اعتمادًا عاطفيًا على الجاني بسبب الحاجة للحماية، الطعام، أو مجرد النجاة. كل تصرف “لطيف” من المعتدي يُضخَّم في ذهن الضحية كنوع من الرحمة، ما يعزز الارتباط.
3. الانفصال النفسي (Dissociation):
كثير من الضحايا يدخلون في حالة من الانفصال عن الواقع أو عن الذات لتجنّب الألم النفسي، مما يجعل تقييمهم للسلوكيات مشوّهًا.
ثالثاً: الأبعاد الاجتماعية والثقافية
متلازمة ستوكهولم لا تقتصر على السياقات الفردية فقط، بل يمكن ملاحظتها أيضاً في:
العلاقات العاطفية السامة: حيث تبقى الضحية مرتبطة بشريك مؤذٍ.
العلاقات الأسرية القهرية: خصوصاً بين الأطفال والآباء المتسلطين.
الأنظمة السياسية القمعية: حيث يُظهر الشعب ولاءً لمنظومة ظالمة خوفًا أو اعتيادًا.
رابعاً: الفروق بين الجنسين في التجربة
تشير دراسات متعددة إلى أن النساء، بحكم التربية والضغوط الثقافية، أكثر عُرضة لتطوير هذا النمط من التعلق المرضي، خصوصاً في علاقات العنف الزوجي.
ومع ذلك، فالمتلازمة قد تصيب الرجال أيضاً، خاصة في حالات التعنيف النفسي أو الابتزاز العاطفي.
خامساً: التشخيص والتمييز
لا توجد معايير رسمية لتشخيص متلازمة ستوكهولم في الدليل التشخيصي DSM-5، مما يجعلها ظاهرة توصف إكلينيكيًا أكثر مما تُصنف طبيًا.
لكن يتم الاعتماد على:
سلوكيات دفاع الضحية عن المعتدي.
رفض الضحية للمساعدة.
تفسير الضحية لسلوك المعتدي بتبريرات عاطفية.
سادساً: العلاج والمرافقة النفسية
العلاج المعرفي السلوكي (CBT): يُستخدم لإعادة بناء نمط التفكير المشوّه لدى الضحية.
العلاج بالدعم العاطفي: لخلق إحساس بالأمان العاطفي خارج العلاقة مع المعتدي.
التفريغ العاطفي والاعتراف بالصدمة: هو مدخل ضروري لإعادة بناء الهوية النفسية للضحية.
خاتمة
متلازمة ستوكهولم تُجسد مدى تعقيد النفس البشرية حين تواجه الخوف، التهديد، وفقدان السيطرة.
فهي ليست علامة ضعف، بل استجابة إنسانية متأزمة في لحظة هشّة.
فهمنا لهذه المتلازمة لا يجب أن يكون حُكمًا على الضحايا، بل دعوة لفهم أعمق للسلوك البشري، ونداء لمرافقة نفسية تحترم التجربة وتُداويها

admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *