كأس إفريقيا يكشف عجز الإعلام العمومي عن تحويل الخطاب إلى واقع

كأس إفريقيا يكشف عجز الإعلام العمومي عن تحويل الخطاب إلى واقع


كان يُفترض أن يشكل تنظيم المغرب لكأس إفريقيا للأمم في دجنبر المقبل مناسبة تاريخية لتأكيد جاهزية الإعلام العمومي و إبراز قدرات القناة الرياضية و طاقمها الصحفي و التقني، خاصة أن التظاهرة تعد محطة قارية تحظى بمتابعة الملايين، و تمثل اختبارا حقيقيا لمستوى مؤسساتنا الإعلامية أمام الداخل و الخارج. غير أن ما وقع يبعث على الأسف، بعدما ألغيت مهام الصحفيين و التقنيين الذين كانوا ينتظرون المشاركة، و تم استبدالهم بشركة أجنبية كُلفت بإنجاز تقارير عن المنتخبات المشاركة. قرار يعكس بوضوح حجم الأزمة التي يعيشها الإعلام العمومي في تدبيره و تخطيطه.

الانتقاد هنا ليس موجها لأشخاص، بل لسياسة تدبيرية فشلت في إرساء أسس قوية لمؤسسة عمومية تمول من المال العام. فالشعارات التي ظلت تُرفع في الملتقيات و الندوات حول “إصلاح الإعلام العمومي” و ”تطوير المردودية” بقيت مجرد خطابات تتكرر بلا أثر، و لم تولد بعد إلى أرض الواقع. و الدليل أن ميزانيات المؤسسة عرفت خلال السنوات الأخيرة ارتفاعا كبيرا من حيث القيمة، لكن النتيجة لم تتجاوز دائرة الكراء و التفويض: كراء وحدات إنتاج و كاميرات، و صفقات هنا و هناك، وها نحن اليوم أمام خطوة جديدة تتمثل في إسناد مهمة الصحفيين أنفسهم لأطراف أجنبية.

إن هذا السلوك لا يكشف فقط عن تهميش للكفاءات الوطنية، بل يضعنا أمام صورة مقلقة: إعلام عمومي لا يمتلك القدرة الذاتية على تغطية حدث قاري، و لا يملك الجرأة على الاستثمار في العنصر البشري الوطني، في وقت يفترض أن يكون قد أعدّ العدة لمثل هذه اللحظات منذ سنوات. و الأدهى أن التظاهرة لا تقتصر على التغطية بالعربية، بل ستعرف حضورا صحفيا دوليا باللغات الأكثر انتشارا، ما يستدعي كفاءات متمكنة و قادرة على مجاراة الحوار بلغة العالم، و هو ما لم يُستثمر فيه على الإطلاق.

إن الأمر لا يتعلق فقط بإدارة حدث رياضي، بل برؤية أوسع لمكانة الإعلام العمومي في المشهد الوطني و الدولي. فإذا كان عاجزا عن مواكبة كأس إفريقيا اليوم، فكيف له أن يكون في مستوى كأس العالم 2030؟ هل سيبقى الخيار هو الارتماء في أحضان الصفقات المؤقتة كلما دُعي لحدث دولي؟ أم أن لحظة الحقيقة قد حانت للاعتراف بأن السياسات السابقة لم تُنتج إعلاما حديثا، و لم تُخرج إلى الوجود مؤسسة قادرة على حمل صورة المغرب كما يليق به؟

الحقيقة المؤلمة أن الهوة بين الخطاب و الواقع تكبر، و أن ميزانيات بالملايير لم تُثمر بعد إعلاما عموميا قويا، بل مؤسسة تستهلك المال العام دون أن تُكوّن أجيالا من الصحفيين و التقنيين المؤهلين. و ما لم يتم تصحيح هذا المسار بإرادة جادة وإصلاح عميق، فإن الإعلام العمومي سيظل مجرد واجهة هشة، عاجزة عن لعب دوره الطبيعي في صناعة الصورة و التاريخ، فيما تظل الشعارات البراقة مجرد صدى يتكرر في المناسبات دون أثر حقيقي.

admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *