اختلالات القناة الأمازيغية تفتح ملف الحكامة داخل دار البريهي: بين غياب المحاسبة و تراكم التجاوزات

تعيش دار البريهي، من جديد، على وقع جدل واسع بعد بروز معطيات جديدة تفيد بتورط مسؤولين تابعين للشركة الوطنية للإذاعة و التلفزة في اختلالات خطيرة داخل القناة الأمازيغية، و هي المعطيات التي تداولتها خلال الأيام الأخيرة عدة منابر إعلامية، ما أعاد إلى الواجهة أسئلة حارقة حول منظومة الحكامة داخل القطب العمومي و مدى التزامه بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
و بحسب مصادر متطابقة، فإن هذه الاختلالات ليست سوى حلقة من سلسلة طويلة من التجاوزات التي عرفتها بعض المديريات و القنوات التابعة للمؤسسة، إذ من المرتقب أن تشهد الأيام المقبلة الكشف عن ملفات أخرى مماثلة، ما يعكس حجم الارتباك البنيوي الذي بات يطبع طريقة التسيير داخل الشركة الوطنية، سواء على المستوى الإداري أو المالي.
المثير في هذه التطورات أن عدداً من الأسماء التي وردت في تقارير داخلية أو إعلامية سابقة، كانت قد أُعفيت في مراحل سابقة من مهامها داخل القناة الأمازيغية، على خلفية تجاوزات مهنية و إدارية، غير أن العودة إلى نفس المنطق في التدبير، دون تقييم واضح أو إصلاح جذري، يطرح أكثر من علامة استفهام حول فعالية قرارات الإعفاء و مدى ارتباطها بمحاسبة حقيقية على الأفعال المنسوبة إلى المعنيين بالأمر.
و يرى متتبعون للشأن الإعلامي أن ما يجري داخل دار البريهي اليوم يعكس إشكالية بنيوية في تدبير الموارد البشرية و المسؤوليات، إذ يتم الاكتفاء غالباً بالإعفاءات الشكلية أو التنقيلات الإدارية دون تفعيل مسطرة التأديب أو المتابعة القانونية، و هو ما يُضعف مبدأ الشفافية و يجعل بعض المسؤولين في مأمن من المساءلة، رغم جسامة الأفعال المنسوبة إليهم.
من جهة أخرى، يطرح استمرار بعض المسؤولين الذين وُجهت إليهم اتهامات تتعلق بتبديد المال العام أو سوء استعماله، تساؤلات حقيقية حول دور الرئيس المدير العام للشركة الوطنية، و مدى تحمله للمسؤولية السياسية والإدارية في ظل غياب إجراءات واضحة لمحاسبة المتورطين، أو إحالة الملفات المشبوهة على الجهات الرقابية المختصة. فالصمت أو التغاضي في مثل هذه الحالات لا يمكن اعتباره سوى تستراً على ممارسات يُجرمها القانون، و يُعد ذلك في حد ذاته إخلالاً جسيماً بمبادئ التسيير الرشيد و الشفافية المفروضة على المؤسسات العمومية.
و يؤكد خبراء في الحكامة العمومية أن التستر على الفساد أو الإخلال بالمسؤولية يُعتبر مشاركة غير مباشرة في الجريمة، وفق ما تنص عليه القوانين المغربية المنظمة للمرفق العام و مكافحة تبديد المال العام، إذ تُحمِّل هذه النصوص المسؤول الإداري الأول كامل المسؤولية عن الأفعال التي تقع تحت إشرافه متى ثبت علمه بها وعدم اتخاذه للإجراءات اللازمة لوقفها أو التبليغ عنها.
في المقابل، يُطالب العديد من الفاعلين داخل القطاع الإعلامي بضرورة فتح تحقيق شامل حول كل الملفات التي يشتبه في وجود تلاعبات مالية أو تجاوزات إدارية بشأنها، و عدم الاكتفاء بالإعفاءات الشكلية، بل تفعيل المساطر التأديبية و القضائية ضد كل من ثبت تورطه، مع إعادة النظر في آليات الرقابة الداخلية و ضمان استقلالية لجان المراقبة و المحاسبة داخل المؤسسة.
إن ما تعرفه دار البريهي اليوم لا يتعلق فقط بقضية عابرة، بل يعكس أزمة في منظومة الحكامة الإعلامية العمومية، حيث غابت آليات المحاسبة الفعلية و حل محلها منطق الولاءات و التوازنات الداخلية. فحين تُصبح المؤسسات العمومية عاجزة عن محاسبة مسؤوليها، فإنها تفقد تدريجياً ثقة الرأي العام، و تتحول من نموذج في خدمة المرفق العام إلى مجالٍ مغلق تحكمه المصالح الشخصية و تغيب عنه الشفافية.
و يبقى السؤال الجوهري المطروح اليوم: هل ستتجه إدارة الشركة الوطنية نحو تفعيل حقيقي لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، أم سيظل شعاراً يُرفع عند الحاجة فقط؟
الجواب عن هذا السؤال سيكون اختباراً حقيقياً لمدى جدية الإصلاح داخل القطب العمومي، و مدى قدرة المؤسسة على استعادة ثقة العاملين و المتلقين على حد سواء.

