الوكالات الحضرية بين منطق الدولة و استمرار الريع السياسي

يتابع الرأي العام المغربي، بقلق متزايد، تنامي مظاهر التدخل المباشر في تسيير بعض الوكالات الحضرية، وهي تدخلات لم تعد خافية على أحد، بعدما انتقلت من الكواليس إلى العلن، و أضحت تشكل سلوكا مقلقا يمس جوهر الحكامة الجيدة و استقلالية المؤسسات العمومية.
فما يجري اليوم داخل عدد من الوكالات الحضرية حسب مصدر نقابي لا يمكن فصله عن منطق سياسي قديم، يقوم على توظيف النفوذ الحزبي لخدمة مصالح ضيقة، عبر الضغط على المدراء و استهداف مناصب المسؤولية، قصد تمكين محسوبين على هذا التيار أو ذاك، في ضرب صريح لمبادئ النزاهة و تكافؤ الفرص، و للمسار الإصلاحي الذي يفترض أن تؤطره دولة الحق والقانون.
هذه السلوكيات، حسب ذات المصدر تعيد إلى الأذهان ممارسات ما قبل دستور 2011، تؤكد أن جزءا من النخبة السياسية لم يستوعب بعد التحولات الدستورية و المؤسساتية التي عرفها المغرب، و لا يزال يشتغل بعقلية الريع السياسي، حيث تعتبر المؤسسات العمومية مجالا لتقاسم الغنائم بدل كونها فضاءات لخدمة الصالح العام.
و يعزى الضغط الممنهج حسب مصدر نقابي على مسؤولي الوكالات الحضرية، و محاولة توجيه قراراتهم أو التحكم فيها، لا يسيء فقط إلى سمعة هذه المؤسسات، بل يفرغ الإصلاحات المعلنة من محتواها، و يكرس انطباعا عاما بأن منطق “التحكم” لا يزال أقوى من منطق الاستقلالية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
و لا يمكن في هذا السياق تجاهل مسؤولية الحكومات السابقة، التي سمحت بتكريس هذا النموذج، سواء بالصمت أو بالتواطؤ، حين لم يتم القطع بشكل حازم مع الريع السياسي، و لم تُفعّل الآليات الكفيلة بحماية الإدارة العمومية من التوظيف الحزبي الضيق. و هو ما جعل بعض هذه الممارسات تستمر، و إن بأشكال جديدة، تحت شعارات الإصلاح و التحديث.
إن الدفاع عن استقلالية الوكالات الحضرية يقول المصدر اليوم ليس دفاعا عن أشخاص، بقدر ما هو دفاع عن فكرة الدولة نفسها، و عن مصداقية المؤسسات، وعن حق المواطنين في إدارة عمومية محايدة و فعالة. كما أن أي إصلاح حقيقي لقطاع التعمير و الإسكان يظل رهينا بإرادة سياسية صادقة، تقطع مع منطق الريع، و تضع حدا للتدخلات التي تستنزف الزمن الإداري والموارد العمومية، و تعيق بروز كفاءات جديدة قادرة على الدفع بعجلة التنمية.
إن استمرار التغاضي عن هذه السلوكيات لا يخدم إلا إعادة إنتاج نفس الأعطاب البنيوية، و يؤكد أن معركة تخليق الحياة العامة لا تزال بعيدة عن الحسم، ما لم يتم التعامل بحزم مع كل أشكال التداخل بين السياسة و الإدارة، ووضع حد نهائي لمنطق الريع الذي أرهق المؤسسات و أفقدها ثقة المواطنين.

