من قيم الافتقار إلى قيمة السوق: انحراف في خطاب التربية الصوفية

ذ. فاضل أعنينو
الإدعاء المعرفي في عالم الصوفية هو البئر الذي لا قرار له
، حينها تسمع ما يُنكر ولا يُستساغ. ومن ذلك ما نُقِل عن بعضهم في مخاطبة المريدين قوله: « نحن لا نشتريكم، فأنتم غالون ».
وهو قولٌ يخالف أصول التربية الصوفية، ولا يستقيم مع جوهرها، لا أخلاقيًا ولا روحيًا.
أمّا أخلاقيًا ، فإنّ الشيخ لا يتعامل مع المريد بوصفه سلعةً تُشترى أو بضاعةً تُقوَّم، حتى يُقال فيها: نشتري أو لا نشتري، غالية أو رخيصة. وظيفة الشيخ، من هذا الوجه، هي حفظ الكرامة الإنسانية للمريد، لا إسناد قيمة مادية أو معنوية لذاته.
فالكرامة أصلٌ ثابت للإنسان، لا تُمنَح ولا تُستجدى، ولا علاقة لها بمنطق السوق أو الموازنة.
وأمّا روحيًا ، ففي ميزان السلوك الصوفي، لا يأتي المريد إلى الطريق «غاليًا» بذاته، ولا محمّلًا بقيمة روحية مكتسبة، بل يأتي — كما عبّر أهل الله — فقيرًا، خاليَ اليدين، منكسرَ القلب.
والأصل في حال المريد أن يأتي:
– متبرِّئًا من حوله وقوته،
– فارغًا من الدعوى، والرأي، والاختيار،
– معترفًا بفقره، وجهله، وعجزه.
ولهذا قالوا: « أول الطريق خلع النعلين: نعلِ الدعوى ونعلِ الاختيار ».
فمن دخل الطريق وهو يرى لنفسه قدرًا، أو يتوهّم قيمةً سابقة، فقد دخل برأسمالٍ وهمي، لا برأسمالٍ صالحٍ للسلوك.
ومن هنا يبرز الإشكال الحقيقي في عبارة: «نحن لا نشتريكم، فأنتم غالون».
فإن فُهِمت على أنّ:
– المريد يأتي وهو «ثمين» بذاته،
– أو أنّ له وزنًا روحيًا سابقًا،
– أو أنّ الشيخ محتاج إليه أو حريص عليه،
فذلك قلبٌ صريح لمنطق الطريق، ومصادمةٌ لأصول التربية.
ولهذا قال أهل الله: « المريد الصادق لا يرى لنفسه قدرًا، ولو رأى لها قدرًا لما كان مريدًا».
الخلاصة
المريد لا يأتي غاليًا، بل يأتي مفتقرًا، متبرئًا، فارغًا.
والقيمة الروحية لا تُفترض عند الدخول، بل تُوهَب بالتربية.
وكل خطابٍ يُغذّي إحساس المريد بقيمته قبل كسره، يؤذيه ولا يربّيه.
فالطريق — كما هو معلوم عند أهله — لا يُعطي شيئًا لمن جاء ممتلئًا؛
لأن الامتلاء حجاب، والفقر باب.
ومن تصدّر قبل التمكّن، تكشّفت على لسانه العجائب.
صورة تعبيرية

