أزمة الأخلاق: متصوّفةُ القيل والقال

أزمة الأخلاق: متصوّفةُ القيل والقال

بقلم: الراجي رحمة ربّه:د. طارق أبو نور

من ثوابت هذه الأمة الراسخة: التصوف الجنيدي، تصوفُ الأخلاق والإحسان. وهو إرثٌ روحيٌّ لاّماديٌّ أصيل، لم يكن يومًا وليدَ ظرفيةٍ عابرة، ولا خطابًا سياسويًّا يُستدعى عند تبدّل الموازين الجيوسياسية أو الأمنية، بل هو من صميم هويتنا الدينية والوطنية، المتجذّرة عبر القرون، منذ الباني جدّنا مولاي إدريس الأول، إلى يوم الناس هذا.

لقد ظلّ التصوف الجنيدي، في صمتٍ وتجرّد، يصوغ الإنسان الكامل؛ ذاك الذي يجمع بين الشريعة والحقيقة، ويوازن بين صلاح الظاهر ونقاء الباطن، فيكون كالغيث أينما حلّ نفع، لا يرجو من الخلق جزاءً ولا شكورًا. هكذا أراده شيوخ التصوف الأصيل:
*أن يكون كلُّ فقيرٍ وفقيرةٍ ـ أي كلُّ مريدٍ لله ـ رحمةً للعالمين، على نهج الرحمة المهداة ﷺ.*

وكان هذا التصوف على الدوام صرحًا مجاهدًا، صامدًا لا يُقهر، في مواجهة ألوان الاستعمار والاستعباد؛ سواء تمثّلت في عدوٍّ خارجيٍّ كالغزو الفرنسي والإسباني، أم في العدوّ الأشدّ خطرًا: النفس الأمّارة بتلوّناتها ومكايدها.

وقد أنجب التصوف الجنيدي الإنسان الحر، كما قرّر ذلك الإمام سيدي عبد الواحد بن عاشر رحمه الله في منظومته:
يصير عند ذاك عارفًا به
حرًّا، وغيره خلا من قلبه

إنه الإنسان المكرّم الذي لم تستعبده الشهرة، ولا استرقّته حرب الانتباه، ولا أَغوته زخارف الدنيا وزهرتها؛ إنسانٌ أحبّ دينه، ووطنه، وملكه، وخدم الخلق كافةً دون كللٍ أو ملل؛ وذلك استحضارًا لمعنى: *”الخلق عيال الله، وأحبّهم إلى الله أنفعهم لعياله”.*

*فماذا حدث بعد ذلك العصر الذهبي للتصوف؟*

خلَفَ من بعدهم خلْفٌ من مدّعي التصوف؛ انتقلوا من مقام الإحسان والحرية إلى درك الغوغائية والاستهلاك، فصاروا عبيد الشهرة والمال، بعد أن كان التصوف مدرسة تزكية وتحرير. تحوّل عندهم من نورٍ يسري إلى القلوب، إلى طقوسٍ خاوية لا تتجاوز المظاهر.

تراهم يلوّحون بالسبحة في اليد اليمنى، وباليد اليسرى يشيرون إلى عورات الخلق، ويجتمعون في الفضاء الافتراضي على أعراض الناس؛ غمزًا ولمزًا، وسبًّا وشتمًا، وغيبةً ونميمةً، ينهشون لحوم الخلق، ويخوضون في القيل والقال، ويتنابزون على رؤوس الأشهاد، وكأن ذلك صار من أورادهم، بعد أن كانت أوراد الشيوخ ذكرَ الله آناء الليل وأطراف النهار.

انشغل هؤلاء بحشد الأتباع، وتتبع المخالفين، ومارسوا ألوانًا من الإرهاب الروحي والفكري؛ فجاهدوا في تتبّع العورات، وفضح الزلات، والتنقيب في عيوب الناس، كأنهم أوصياء على القلوب وأرباب على الخلق.

ومثل *هذا الانحراف لا يجوز أن يُمرّ عليه مرَّ الكرام؛ فهو ليس أزمةً عابرةً ولا شأنًا هامشيًّا، بل مساسٌ بثوابت الأمة، وتهديدٌ لأمنها الروحي،* وبابٌ واسع للتكفير والإقصاء، ومصدرٌ للفتن التي تعصف بسلم المجتمع ووحدته.

وفي حديث السفينة دلالةٌ بليغة: “إن أُخذ على أيدي المفسدين نجا الجميع”. ومن هنا، فاللهَ اللهَ في ثوابتنا، وفي إرثنا الروحي والحضاري، أن يعبث به العابثون. وأملُنا في الله وفي سلطانه على أرضه وبلاده؛ “فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”.

وصلّى الله وسلّم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

صورة تعبيرية

admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *