السرّ الصوفي بين الحضور الحقيقي والبهرجة الطقوسية

السرّ الصوفي بين الحضور الحقيقي والبهرجة الطقوسية

 

بقلم : د. طارق العلمي

من المؤسف أن يتحوّل ركنُ التصوف، بوصفه عمادَ الحياة الروحية ومجالَ التزكية والسلوك إلى الله، إلى فضاءٍ للتوظيف النفسي والذاتي، تحت ذرائع الخصوصية والشرعية والعرفان. ذلك أن التصوف، في جوهره، قائمٌ على سرٍّ إلهيٍّ رباني، وهذا السرّ هو الذي يتولى توجيه الشيخ وطريقته، لا الاعتبارات الشكلية، ولا آليات الاستمالة العاطفية، ولا صناعة الرمزية.

وقد استقرّ في الوعي الصوفي، كما نُقل عن سيدي حمزة قدّس الله سرّه، أن أمر الطريقة *إنما يكون بإذنٍ من الله ورسوله، لا عن تعمُّل ولا عن صناعة ولا عن بهرجة؛* إذ إن السرّ الصادق لا يحتاج إلى ترويج، ولا يستدعي استعراضًا، *لأنه فاعل بذاته، وشاهد على نفسه.* ومن ثمّ، فإن فقدان هذا الإذن الخاص، وانقطاع السرّ القلبي الرباني، يدفع بعض المدّعين إلى *محاولة تعويض هذا الفراغ الروحي بمظاهر دعائية وطقوس استعراضية،* تتوسل إثارة العواطف واستمالة النفوس، في مسعى لإضفاء مشروعية شكلية على واقع باطني مختل.

غير أن التجربة الصوفية، في عمقها التاريخي والروحي، تؤكد أن الظاهر إذا انفصل عن الباطن كان مآله الزوال والسقوط. وقد أفضت هذه الممارسات الطقوسية المصطنعة إلى زعزعة اعتقادٍ راسخ في الممارسة الصوفية، يتمثل في تلك النظرة الخاصة المشفوعة بالتعظيم، التي جرى العرف على إلحاقها بأقارب الشيخ من باب امتداد تعظيم الشيخ نفسه. غير أن هذا الاعتبار الرمزي يظل، في أصله، مشروطًا باستمرار العلاقة الروحية الصحيحة، لا بمجرد النسب، ولا بادعاء المقام.

وعليه، فإن الادعاء غير المشروع للمشيخة، أو اغتصابها دون موجب حق، يفضي بالضرورة إلى قطع هذا الامتداد المعنوي، ويُسقط عن أصحابه قدرًا معتبرًا من المكانة الرمزية التي كانوا يحظون بها في وجدان المريدين، ليُنظر إليهم – في نهاية المطاف – بوصفهم أفرادًا عاديين، تعتريهم ما يعتري المجتمع من مطامع وحظوظ نفسية، لا بوصفهم حَمَلةَ سرٍّ أو ورثةَ حال.

وفي مقابل ذلك، يبرز مسلك صاحب السر، مولاي معاذ حفظه الله، بوصفه نموذجًا مغايرًا في التدبير الروحي، يقوم على اليقين بالله، والطمأنينة، والسكينة العالية. فلا تحايل، ولا تصنّع، ولا استغلال للعواطف، ولا بهرجة شكلية، وإنما حضور هادئ، وسلوك راسخ، يعبّر عن حقيقة صوفية عميقة مفادها أن

السرّ الصادق لا يُعرَض، بل يَعرِض نفسه بنفسه.

admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *