الإعلام العمومي في لحظات الاختبار : حين يغيب الصوت الذي نحتاجه

الإعلام العمومي في لحظات الاختبار : حين  يغيب الصوت الذي نحتاجه

وحيد بنسعيد

في كل مرة تُستدعى فيها اللحظة الوطنية بكل رمزيتها السياسية أو الإشعاعية أو الرياضية، يُطرح السؤال ذاته بإلحاح: أين الإعلام العمومي من معركة الصورة و الرواية؟ و أين صوته حين تحتاجه البلاد ليكون في مستوى الرهان، مدافعاً، مبادِراً، و مؤثراً في تشكيل الوعي الجماعي داخلياً و خارجياً؟

لقد أبانت تجارب عديدة أن الإعلام العمومي، بدل أن يكون في طليعة الجبهة التواصلية للمغرب، يظهر في كثير من المناسبات باهت الحضور، محدود التأثير، و كأنه خارج زمن الحدث. ففي التظاهرات الرياضية الدولية، حيث تتحول المنافسة إلى مناسبة لإبراز الهوية الوطنية و القوة الناعمة للدول، يظل الأداء الإعلامي العمومي دون الانتظارات، سواء من حيث جودة التغطية، أو صناعة المضامين، أو القدرة على تسويق صورة المغرب بما يليق بتاريخه و موقعه.

الأمر ذاته ينسحب على القضايا السياسية المصيرية، و في مقدمتها القضية الوطنية الأولى، قضية الصحراء المغربية. ففي زمن الحروب الإعلامية المفتوحة، حيث لم تعد المعارك تُخاض فقط في أروقة الدبلوماسية، بل أيضاً عبر المنصات الرقمية و شبكات التأثير، برزت اختلالات واضحة في أداء الإعلام العمومي. فبينما تنشط المنابر المعادية، مدعومة بما يشبه “جيوشاً رقمية” منظمة، تضخ روايات مضللة و تبث تشويشاً ممنهجاً، يظل رد الفعل العمومي بطيئاً، تقليدياً، و أحياناً غائباً.

هذا الفراغ هو ما أتاح للإعلام المعادي و الذباب الإلكتروني أن يتمددا في فضاءات التأثير، مستفيدين من سرعة التفاعل، و قوة السرد، و جرأة الخطاب. و في المقابل، ظل الإعلام العمومي أسير المقاربات الكلاسيكية، يكرر لغة الخشب، و يعيد إنتاج مضامين لا تخاطب الرأي العام الدولي بلغته و لا بأدواته الحديثة.

و لا يمكن إغفال أن مواقف القوى الدولية الداعمة للوحدة الترابية، و على رأسها الموقف الأمريكي، لعبت دوراً محورياً في تحصين المكتسبات الدبلوماسية للمغرب. غير أن الاتكاء على الدعم الخارجي، مهما كان قوياً، لا يمكن أن يعوّض غياب جبهة إعلامية وطنية صلبة، قادرة على الترافع المستمر، و صناعة القناعة، و مواجهة حملات التضليل بالحجة و الصورة و الخبر.

إن الخلل لا يرتبط بندرة الإمكانيات بقدر ما يرتبط بسؤال الحكامة الإعلامية، و طبيعة الرؤية، و نوعية الكفاءات التي تُسند إليها مهمة تدبير لحظات الاتصال الحاسمة. فالإعلام العمومي لا يُقاس فقط ببرامجه اليومية، بل بقدرته على التحول إلى “صوت دولة” عندما تستدعي الضرورة ذلك، صوتٍ يوحّد الخطاب، و يُحسن الترافع، و يستبق الهجمات بدل الاكتفاء بردّ الفعل.

لقد كشفت لحظات كثيرة أن إعلامنا العمومي، حين نكون في أمسّ الحاجة إلى قوته، يُفرز العكس تماماً: ارتباك في التغطية، ضعف في المبادرة، وغياب في التأثير الدولي. و هو ما يفرض اليوم نقاشاً وطنياً صريحاً حول ضرورة الانتقال من إعلام المرفق إلى إعلام الاستراتيجية، و من منطق التسيير الإداري إلى منطق الفعل الاتصالي المؤثر.

فالمعركة اليوم هي معركة رواية و صورة بقدر ما هي معركة ميدان و دبلوماسية. وإذا لم يمتلك المغرب إعلاماً عمومياً قوياً، حديثاً، و معبأً وطنياً، فسيظل يدفع كلفة الفراغ، كلما حلّت لحظة كان يفترض أن يكون فيها صوته هو الأعلى… و الأكثر إقناعاً.

admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *