رمضان 2026: حين تتحول الشاشة من رسالة قيمية إلى وصفة لحموضة المحتوى

رمضان 2026: حين تتحول الشاشة من رسالة قيمية إلى وصفة لحموضة المحتوى

مع حلول رمضان 2026، يعود الجدل ذاته الذي يتكرر كل سنة حول طبيعة البرامج التي تبثها القنوات الوطنية في وقت الذروة، خصوصاً خلال فترة الإفطار التي يفترض أن تكون لحظة تلاقي أسري وروحي بامتياز. غير أن ما يُعرض على الشاشة لا يعكس دائماً رمزية الشهر الكريم و لا ينتصر لخصوصية المجتمع المغربي، بل يكرّس، في كثير من الأحيان، ما يمكن وصفه بـ”حموضة المحتوى” التي تُفسد ذوق المشاهد بدل أن ترتقي به.

لقد تمّ الإعلان في السنوات الأخيرة عن القطع مع مرحلة “السيتكوم الرمضاني” الذي كان يعتمد على الفكاهة الفارغة و الإضحاك السطحي، لكن المتتبع يلاحظ أن البديل لم يكن في مستوى التطلعات. فالمسلسلات و البرامج التي تُقدَّم اليوم في وجبات الإفطار لا ترقى، في جزء كبير منها، إلى هوية المغربي و لا إلى تقاليده و لا إلى رمزية شهر الصيام. عبارات سوقية، إيحاءات غير لائقة، و ألفاظ من قبيل “السكايري” أو “حبي” تُستعمل بشكل عابر و كأنها عادية في سياق يفترض فيه التحفظ و السمو الأخلاقي.

الأخطر من ذلك أن بعض الأعمال الدرامية تُمرّر إشارات سلبية قد تسهم في تطبيع العنف الأسري أو تقديمه في قالب عادي أو مبرَّر درامياً، دون معالجة تربوية واضحة أو رسالة تصحيحية صريحة. كما أن تناول مواضيع حساسة كالحجاب أو المظاهر الدينية يتم أحياناً بطريقة مستفزة أو ساخرة على لسان بعض الشخصيات، بما يخلق صدمة لدى فئات واسعة من المشاهدين الذين ينتظرون من الإعلام العمومي قدراً من المسؤولية و الاتزان.

فهل هذا هو “تحسين المحتوى” الذي تم التبشير به؟
على أرض الواقع، ما نراه هو ميزانيات ضخمة تُصرف سنوياً على أعمال تتشابه في السيناريوهات، و تعيد تدوير نفس المواضيع، بل أحياناً نفس الوجوه، و كأن المشاهد المغربي بلا ذاكرة أو بلا ذوق. تتكرر الانتقادات ذاتها كل رمضان، و تُسجَّل الملاحظات نفسها، لكن دون أثر ملموس على مستوى الاختيارات أو لجان الانتقاء. و هو ما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل نحن أمام اختلال في التقدير، أم أمام توجه مقصود لا يُعير اهتماماً لنبض الشارع ولا لانتظارات الأسر المغربية؟

إن الإعلام العمومي ليس مجرد صناعة للفرجة، بل هو خدمة عمومية ممولة من المال العام، ما يفرض عليه التزامات أخلاقية و ثقافية واضحة. لذلك فإن ربط المسؤولية بالمحاسبة يظل مطلباً ملحّاً، سواء تعلق الأمر بلجان انتقاء البرامج أو بالمسؤولين عن تدبير الميزانيات التي تُصرف على إنتاجات دون المستوى. لا يكفي الحديث عن نسب المشاهدة لتبرير الرداءة، لأن الجمهور قد يشاهد بدافع الفضول أو غياب البديل، لا بدافع الرضا.

رمضان ليس موسماً تجارياً فقط، بل هو محطة تربوية و روحية و اجتماعية. ومن واجب القنوات الوطنية أن توازن بين الترفيه و الرسالة، بين الدراما والقيم، و أن تحترم ذكاء المشاهد المغربي وتاريخه الثقافي. أما الاستمرار في إنتاج محتوى يقوم على التفاهة، و إعادة تدوير نفس الصيغ كل سنة، فلن يؤدي إلا إلى تعميق فجوة الثقة بين الشاشة و البيت المغربي.

إن لحظة المراجعة الحقيقية تبدأ بالاعتراف بأن المشكلة ليست في ذوق الجمهور، بل في غياب رؤية تحريرية واضحة تحترم هوية المجتمع وتستحضر قدسية الزمن الرمضاني. فهل تملك الجهات الوصية شجاعة التقييم و المحاسبة؟ أم سنظل كل سنة نكتب نفس الانتقادات ونعيش نفس “حموضة” ما يُقدَّم لنا على مائدة الإفطار ؟

admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *