**زلات الإعلام العمومي في رمضان: عندما تتحول مراسلة وزارة الداخلية إلى وثيقة طلاق

في كل موسم رمضاني تتجه أنظار ملايين المغاربة إلى شاشات التلفزيون العمومي، باعتباره فضاء يفترض أن يجمع بين الترفيه المسؤول و الالتزام بالمعايير المهنية و الأخلاقية التي تليق بمؤسسة إعلامية تمول من المال العام. غير أن ما وقع في أحد المسلسلات الرمضانية المعروضة على القنوات العمومية يثير أكثر من علامة استفهام حول مستوى المراقبة المهنية داخل دواليب الإنتاج و البث.
ففي مشهد من مشاهد المسلسل، جرى تمرير وثيقة قُدمت للمشاهدين على أنها **وثيقة طلاق**، غير أن التدقيق في مضمونها يكشف أنها في الحقيقة **مراسلة رسمية صادرة عن وزارة الداخلية موجهة إلى السادة الولاة و العمال**. هذا الخطأ لا يمكن اعتباره مجرد هفوة تقنية عابرة، بل يعكس خللاً واضحاً في مسار المراقبة القبلية التي يفترض أن تقوم بها المصالح المختصة داخل القناة، و على رأسها مصلحة **الـ PAD** المكلفة بمراجعة المضامين قبل بثها.
إن تمرير وثيقة رسمية حساسة في سياق درامي على أنها وثيقة طلاق يطرح سؤالاً جوهرياً : **كيف يمكن لقناة عمومية أن تسمح ببث مثل هذه اللقطة دون أن تنتبه إلى طبيعة الوثيقة و مصدرها؟ ** فالأمر لا يتعلق فقط بخطأ في الديكور أو الإكسسوارات، بل باستعمال وثيقة إدارية رسمية في سياق قد يُفهم منه الاستهتار بالمؤسسات أو المساس برمزيتها.
و الأخطر من ذلك أن هذه الواقعة لا تبدو معزولة عن سياق أوسع من الاختلالات التي بدأت تطفو على سطح المشهد السمعي البصري العمومي خلال السنوات الأخيرة. فالمتابعون لا ينسون ما حدث في أحد الوثائقيات التي بثتها ** قناة العيون** التابعة للإعلام العمومي، حين تم تمرير قصيدة لشاعر انفصالي تضمنت عبارات هجومية في حق المغرب. و قد أثار ذلك الحدث حينها موجة انتقادات في عدد من المواقع و المنابر الإعلامية، دون أن يسجل الرأي العام أي رد فعل واضح أو مساءلة حقيقية للمسؤولين.
اليوم يتكرر المشهد، لكن بشكل مختلف: **وثيقة إدارية رسمية تتحول داخل عمل درامي إلى وثيقة طلاق**، في سابقة تعكس قدراً كبيراً من التسيب في التعامل مع المضامين و المواد المعروضة على الشاشة.
إن الإعلام العمومي ليس مجرد منصة للفرجة، بل هو مرفق عمومي يحمل مسؤولية رمزية و وطنية . لذلك فإن أي خطأ من هذا النوع يطرح بإلحاح مسألة الحكامة المهنية داخل المؤسسات المشرفة على الإنتاج و البث، كما يعيد النقاش حول مدى احترام مساطر المراقبة و التحقق من المضامين قبل وصولها إلى المشاهد.
فالمواطن الذي يمول هذا الإعلام من خلال المال العام ينتظر حدّاً أدنى من المهنية و الصرامة في التعامل مع الوثائق و الرموز المؤسساتية. كما أن احترام مؤسسات الدولة يقتضي قدراً أكبر من اليقظة داخل غرف المونتاج و المراقبة التقنية، حتى لا تتحول الشاشة العمومية إلى فضاء تمر عبره الأخطاء بسهولة.
إن ما حدث ليس مجرد تفصيل تقني داخل مسلسل رمضاني، بل مؤشر مقلق على تراجع مستوى التدقيق و اليقظة المهنية داخل الإعلام العمومي. و هو ما يفرض اليوم فتح نقاش جدي حول آليات المراقبة و المسؤوليات، حتى لا تتكرر مثل هذه السقطات التي تمس بصورة الإعلام الرسمي وثقة المشاهد المغربي.
ففي زمن تتزايد فيه التحديات الإعلامية و الحروب الناعمة على مستوى الصورة و الخطاب، يصبح من الضروري أن يتحلى الإعلام العمومي بأقصى درجات الحذر و الاحترافية، لأن أي خطأ – مهما بدا بسيطاً – قد يتحول إلى رسالة سلبية تمس بمصداقية المؤسسة الإعلامية و بهيبة المؤسسات التي تمثلها الدولة.

