خلف أسوار المؤسسات.. قنابل موقوتة يغذيها تهميش الأخصائي النفسي

بقلم: يوسف باجا أخصائي نفسي
تُعتبر الصحة النفسية المحرك الخفي والمحوري لاستقرار أي بناء مجتمعي أو مؤسساتي، إلا أن واقعنا المعاصر في المؤسسات التعليمية والقطاعات العمومية والخصوصية يكشف عن فجوة سحيقة وخطيئة إدارية كبرى تتمثل في الإقصاء المنهجي للأخصائي النفسي. هذا الإقصاء ليس مجرد خلل في الهيكل التنظيمي أو نقص في الميزانيات المخصصة، بل هو “قطيعة” متعمدة مع العلم، وتجاهل صارخ للتعقيد البشري، مما يحول المؤسسات من محاضن للتطوير إلى بيئات طاردة وقنابل موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة. إن تغييب الأخصائي النفسي يترك فراغاً قاتلاً تسعى المؤسسة لملئه بطرق عشوائية تفتقر لأدنى المعايير العلمية؛ فعندما يغيب المتخصص، يجد المدير أو الأستاذ نفسه مضطراً لعب دور لا يملكه، فيسقط في فخ التشخيصات الانطباعية والأحكام الجاهزة، حيث تتحول الأزمات النفسية والضغوط الوجودية للأفراد إلى “ملفات تأديبية” جافة، وتُستبدل المقاربة الاحتوائية بمقاربات زجرية وعقابية تُعامل الأزمة النفسية كأنها سوء أدب أو مخالفة إدارية، مما يعمق الشرخ النفسي ويحول التوترات البسيطة إلى عداوات مستحكمة وانفجارات سلوكية لا تُحمد عقباها.
داخل المؤسسات التعليمية، يؤدي هذا الإقصاء إلى تجريد المدرسة من وظيفتها التربوية السامية، لتصبح مجرد فضاء لشحن المعلومات وتطبيق القوانين التنظيمية. الطالب الذي يمر بضغوط المراهقة، أو يعاني من التنمر، أو يواجه تفككاً أسرياً، لا يجد في مدرسته أذناً متخصصة تصغي إليه أو عيناً علمية ترصد بوادر انحرافه، بل يجد نظاماً زجرياً يضاعف شعوره بالاغتراب والرفض. والنتيجة هي جيل يحمل ندوباً نفسية غائرة تتحول لاحقاً إلى عنف مدرسي، وهدر دراسي، واضطرابات في الشخصية تضرب في قلب السلم الاجتماعي. أما في القطاع المهني، عمومياً كان أم خصوصياً، فإن إقصاء البعد النفسي يعكس رؤية مادية “متوحشة” تختزل العنصر البشري في مجرد “ترس” في آلة الإنتاج. إن تجاهل حالات الاحتراق المهني (Burnout) وضغوط العمل المتراكمة يخلق بيئات مشحونة بالتوتر، تضيع فيها الإنتاجية وسط دوامة من الصراعات البينية، والغيابات المتكررة، والانهيارات العصبية الصامتة التي تنهك ميزانية الدولة والمقاولات على حد سواء.
إن التضاربات النفسية الناتجة عن هذا الإقصاء تخلق حالة من “الاغتراب المؤسساتي”؛ حيث يشعر الفرد بأن كينونته الإنسانية غير مرئية، وأن آلامه النفسية لا قيمة لها أمام لغة الأرقام أو المساطر القانونية الجافة. هذا الشعور بالدونية النفسية هو الوقود الحقيقي لكل مظاهر التفكك التي نشهدها اليوم، من فقدان الولاء للمؤسسة إلى تنامي السلوكيات الانحرافية. ولتجاوز هذا النفق المظلم، لم يعد كافياً الاكتفاء بالتوصيات النظرية، بل وجب تفعيل خارطة طريق إجرائية تبدأ بـ:
صياغة قانون ملزم يفرض وجود “وحدة دعم نفسي” يقودها أخصائي معتمد في كل مؤسسة تعليمية أو مهنية يتجاوز عدد أفرادها سقفاً معيناً.
تفعيل ميثاق وطني للصحة النفسية في أماكن العمل، يعتبر الأخصائي النفسي شريكاً في القرار الإداري وليس مجرد مستشار هامشي.
استبدال المقاربات الزجرية الصرفة في الأنظمة الداخلية للمؤسسات بمقاربات “الوساطة النفسية”، لضمان حل النزاعات من جذورها السيكولوجية قبل تحولها إلى أزمات تأديبية.
ختاماً، إن الكلفة الاقتصادية والاجتماعية لاستبعاد الأخصائي النفسي اليوم هي أضعاف الكلفة التي سندفعها من أمننا واستقرارنا وإنتاجيتنا غداً. لذا، فإن إصلاح المنظومات لا يبدأ من الشعارات أو الرقمنة الصماء، بل يبدأ من الاعتراف بأن النفس البشرية هي من يصنع النجاح أو الفشل، وأن الاستثمار في “الأمن النفسي” للموظف والطالب هو استثمار في مستقبل الوطن. كفانا بناءً على الرمال، آن الأوان لنبني مؤسسات تفهم الإنسان وتحتوي أزماته قبل أن تطالبه بالإنتاج، فالمجتمع الذي يُهمل صحة أفراده النفسية يفتح الأبواب على مصراعيها لمستقبل مجهول التبعات

