مداغ تحتفي بليلة القدر.. آلاف المريدين يجتمعون في حضرة الذكر بإشراف الشيخ معاذ القادري بودشيش

متابعة
في أجواء إيمانية عامرة بنفحات ليلة القدر المباركة، احتضن مقر الزاوية القادرية البودشيشية بمداغ، وتحت إشراف شيخ الطريقة سيدي الحاج مولاي معاذ القادري حفظه الله، مجلسًا روحياً مهيباً، التأم فيه جمع غفير من المريدين والمحبين، من داخل المملكة وخارجها، في مشهد يجسد وحدة السلوك وصفاء القصد، ويعكس عمق الارتباط بالمحبة النبوية والسير على نهج التربية الروحية الرشيدة.

واستُهل برنامج الإحياء، الذي نسق فقراته الدكتور محمد أمين لغويلي، العضو بالمجلس العلمي بمراكش، بتلاوات مباركة من الذكر الحكيم، فردية وجماعية، تلاه عرض سمعي بصري حول برنامج الاعتكاف الرمضاني الذي احتضنته الزاوية، قبل أن تتعالى أنغام المديح والسماع التي أدتها المجموعة الرسمية للطريقة، في لوحات روحانية شفافة حلّقت بأرواح الحاضرين في مدارج القرب الإلهي.

وفي كلمته التوجيهية، أكد شيخ الطريقة، مولاي معاذ القادري بودشيش، أن ذكر الله تعالى هو جوهر السلوك الصوفي وروحه النابضة، به تحيا القلوب وتستنير البصائر، ويستقيم سير السالكين نحو حضرة الحق، داعيًا إلى المواظبة على الذكر الفردي صباحًا ومساءً، مقرونًا بمجاهدة النفس، والتواضع بين يدي الله، والاقتصاد في النوم طلبًا لصفاء السريرة، وترقيًا في مقامات اليقظة والمشاهدة. كما شدد على أن الذكر ليس مجرد ألفاظ تُردد، بل هو عهد موصول بالله، يثمر محبة صادقة لرسول الله ﷺ، تنعكس آثارها تزكيةً للنفس وتهذيبًا للأخلاق، حتى يبلغ المريد كماله الروحي ويتخلق بأخلاق الهدي النبوي.

من جهته، أبرز الدكتور خالد ميار الإدريسي المكانة المركزية للذكر في الإسلام، واصفًا إياه بسلاحٍ فعّال في مواجهة أدواء العصر، خاصة ما يرتبط بالوهم والاضطراب الذهني، مشيرًا إلى أن الذكر الفردي يشكل درعًا واقيًا يحفظ التوازن النفسي والإدراكي. واستحضر في هذا السياق توجيهات الشيخ الراحل سيدي حمزة القادري بودشيش، مبرزًا أن الذكر هو “دواء القلوب” ومفتاح تجديد الصلة بالله، وأن صحبة الشيخ تُوقد في القلب جذوة الهمة، فيتحول الذكر إلى قوة دافعة في مسار التزكية. كما توقف عند بعض الإشكالات المعاصرة، كأزمة الهوية والاجترار الذهني، مؤكدًا أن الذكر يمثل علاجًا عميقًا يعيد للإنسان توازنه الداخلي وصفاءه الروحي.

بدوره، قدّم الدكتور محمد المنصوري قراءة علمية وروحية في دلالات ليلة القدر، مبرزًا مكانتها العظيمة باعتبارها الليلة التي اقترنت بنزول القرآن الكريم، وما تحمله من أنوار الرحمة والسكينة، فهي خير من ألف شهر، تتنزل فيها الملائكة بالسلام والبركات. وأوضح أن هذا الفضل الإلهي هو تكريم خاص للأمة المحمدية، يعوض قصر أعمارها، ويمكنها من إدراك مراتب عالية من الثواب. كما أشار إلى أن شرف الأزمنة مرتبط بما يقع فيها من أعمال، مستعرضًا قراءة صوفية تميز بين ليلة القدر العامة، وليلة خاصة يعيشها السالك حين يصفو قلبه ويصدق توجهه، فيحظى بتجليات القرب.
وقد تميز برنامج الإحياء بتنوع فقراته، حيث شمل صلاة التراويح، وختم سلك القرآن الكريم، والإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، إلى جانب فقرات المديح والسماع، في انسجام تام مع ثوابت الطريقة ومنهجها التربوي القائم على الجمع بين العبادة والتزكية.
واختُتم هذا المجلس المبارك برفع الدعاء الخالص، الذي تلاه الدكتور إبراهيم حدكي، الرئيس السابق للمجلس العلمي بكلميم، حيث ابتهل إلى الله تعالى أن يحفظ أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس، ويبارك في جهوده، وأن يديم على المملكة المغربية أمنها واستقرارها ورخاءها، وأن يشمل برحمته سائر الأمة الإسلامية، ويفرج كربها، ويصلح أحوالها، ويملأ قلوب المسلمين نورًا وإيمانًا، ويثبتهم على طريق الحق والخير.

