إعلام عمومي بلا روح… حين يتحول صوت المواطن إلى صدى مُهمل

متابعة
لم يعد خافيًا حجم الهوة التي تفصل المشاهد المغربي عن إعلامه العمومي، ذلك الإعلام الذي يُموَّل من جيبه، لكنه لم يعد يجد فيه نفسه و لا صوته و لا حتى اهتماماته. حالة من الاستياء المتراكم باتت تسكن وجدان فئات واسعة من المغاربة، الذين يتابعون بمرارة كيف يستمر هذا القطاع في الدوران داخل نفس الحلقة المغلقة، دون أي تجاوب حقيقي مع انتقاداتهم المتكررة.
لقد تحوّل الإعلام العمومي، الذي تُديره **الشركة الوطنية للإذاعة و التلفزة**، إلى نموذج صارخ لغياب التفاعل مع الرأي العام. فالملاحظ أن موجات الغضب التي تتجدد كل موسم إعلامي لم تعد تُقابل إلا بالصمت أو بالتجاهل، و كأن صوت المواطن لا يحمل أي وزن في معادلة القرار. و الأسوأ من ذلك، أن هذا التجاهل لم يعد مجرد خلل ظرفي، بل أصبح سلوكًا ممنهجًا يعكس قطيعة واضحة بين المؤسسة و جمهورها.
و رغم الإمكانيات المالية و البشرية التي وُضعت رهن إشارة هذا القطاع، في إطار تطوير المشهد السمعي البصري، فإن الحصيلة النهائية ظلت واحدة : تراجع في الجودة، اختلالات في التدبير، و برامج لا ترقى إلى مستوى تطلعات مغاربة يعيشون في زمن إعلامي مفتوح و تنافسي. فبدل أن يشكل الإعلام العمومي رافعة للتثقيف و الترفيه الهادف، أصبح في نظر كثيرين عبئًا ثقيلًا يعيد إنتاج نفس المضامين الباهتة.
الأمر لا يتعلق فقط بضعف في المحتوى، بل يتجاوز ذلك إلى أزمة ثقة حقيقية. كيف يمكن للمواطن أن يثق في إعلام لا يعكس انتظاراته؟ و كيف يمكنه أن يتفاعل مع قنوات لا تصغي لنبضه؟ إن الإحباط الذي يتكرر لدى المغاربة ليس وليد لحظة، بل هو نتيجة سنوات طويلة من الانتظار، تخللتها وعود بالإصلاح لم تجد طريقها إلى التنفيذ.
وفي قلب هذا الجمود، يبرز عامل أساسي: استمرار نفس الوجوه في تدبير القطاع لعقود، دون تقييم حقيقي للحصيلة، و دون ربط واضح بين المسؤولية و المحاسبة. فحين تُمنح نفس القيادات فرصًا متتالية رغم توالي الإخفاقات، يصبح الفشل نتيجة منطقية، لا مفاجأة. و حين يغيب التغيير، يغيب معه الأمل في الإصلاح.
لقد كان من المفترض أن تُثمر كل تلك الخطط و الاستراتيجيات، و كل تلك الموارد التي سُخّرت، تحولًا نوعيًا في الإعلام العمومي. لكن الواقع يُظهر العكس: جمود في الرؤية، تكرار في الأخطاء، و عجز عن مواكبة التحولات التي يشهدها المجال الإعلامي عالميًا. و هو ما جعل المواطن المغربي يشعر بأن إعلامه يعيش خارج الزمن، منفصلًا عن دينامية المجتمع و تطلعاته.
إن أخطر ما في هذا الوضع ليس فقط تراجع الأداء، بل الإحساس العام بأن لا شيء سيتغير. هذا الإحساس هو ما يُغذي فقدان الثقة، و يُعمّق الفجوة بين المواطن و مؤسساته الإعلامية. فالإعلام الذي لا يتطور، و لا يُراجع نفسه، و لا يُصغي لجمهوره، يتحول تدريجيًا إلى إعلام بلا روح… إعلام لا يُشاهَد إلا بدافع العادة، و لا يُؤثّر إلا في حدود ضيقة.
اليوم، لم يعد السؤال هو ما إذا كان الإعلام العمومي يحتاج إلى إصلاح، بل كيف يمكن إعادة الحياة إليه، و استرجاع ثقة جمهور فقد الأمل في التغيير. لأن استمرار الوضع على ما هو عليه لا يعني سوى شيء واحد: تكريس إعلام ميت، يُموَّل من الأحياء، لكنه لا يعكس نبضهم و لا يُعبّر عنهم.
صورة بالذكاء الاصطناعي

