من “الترشيح النضالي” إلى هندسة الخريطة: كيف تغيّر معنى الانتخابات؟

من “الترشيح النضالي” إلى هندسة الخريطة: كيف تغيّر معنى الانتخابات؟

 

 

بقلم: ذ. الحسين فخر الدين ، عضو اليسار الجديد المتجدد

في بدايات التجربة، لم تكن الانتخابات غاية في ذاتها، بل ساحة نضال موازية تُختبر فيها نزاهة المساطر، وتُرفع فيها كلفة التزوير، ويُسمَع فيها صوت الهامش. داخل منظمة العمل الديمقراطي الشعبي تبلور مفهوم “الترشيح النضالي”: أن يترشح المناضل لا بحثا عن مقعد، بل دفاعا عن معنى الاقتراع نفسه.

كانت الحملات تُدار بإمكانات بسيطة وأخلاق صارمة. مشيٌ لعشرات الكيلومترات لإيصال الصوت إلى الدواوير البعيدة، نقاشات مباشرة مع الناس، واحتكاك يومي بواقع شراء الذمم. غير مرة، وُوجه المفسدون وهم يوزعون المال الانتخابي بسخاء، لكن الفكرة كانت واضحة: رفع الكلفة السياسية والأخلاقية للتزوير، وتثبيت أن هناك من يراقب ويحتج ويشهد.
في تلك اللحظة، لم يكن السؤال: “كم سنحصل من المقاعد؟” بل: “كيف نجعل التزوير مكلفا، وكيف نحمي ما تبقى من معنى للانتخابات؟”

صوت داخل البرلمان… وخارجه

صوت محمد بنسعيد آيت إيدر داخل البرلمان امتدادا لذلك النفس النضالي. خطاب يتجاوز المسموح به، ويضع المؤسسة أمام مسؤولياتها، ويحوّل المقعد النيابي إلى منبر مساءلة لا إلى موقع امتياز. لذلك كان الحضور البرلماني آنذاك وظيفة نضالية أكثر منه موقعا تمثيليا.
حين تغيّر السياق: من نزاهة الاقتراع إلى “صناعة الخريطة”
مع مرور الوقت، تغيّر سؤال الانتخابات. لم يعد النقاش العمومي متمحورا حول نزاهتها بقدر ما أصبح يدور حول نتائجها المتوقعة سلفا، وحول “الخريطة السياسية” التي تخرج بها. هنا يبرز دور وزارة الداخلية المغربية بوصفها الفاعل المركزي في تدبير الحقل الانتخابي، ليس فقط عبر التنظيم اللوجستيكي، بل عبر التأثير في شروط التنافس وحدوده.
يتحول المشهد شيئا فشيئا من صراع برامج إلى هندسة توازنات: من يمر، ومن يُحاصَر، ومن يُترك في الهامش. فتفقد الانتخابات معناها كآلية تعبير حر، وتتحول إلى أداة لإنتاج مشهد سياسي “على المقاس”.
ماذا تغيّر داخل التنظيمات؟

التغير لم يكن خارجيا فقط. داخل التنظيمات اليسارية نفسها، تراجع مفهوم “الترشيح النضالي” لصالح منطق آخر: البحث عن الموقع، التحالفات التكتيكية، حسابات العتبة، وعدّ الأصوات قبل عدّ المعاني. ومع هذا التحول، ضعفت القدرة على تحويل الانتخابات إلى لحظة تعبئة أخلاقية وسياسية.
صار السؤال: “كيف ننجح داخل القواعد القائمة؟” بدل: “كيف نُغيّر القواعد أو نفضح اختلالها؟”
الذاكرة كمعيار للمقارنة
استحضار تلك التجربة ليس حنينا إلى الماضي، بل معيارا نقيس به الحاضر. حين كان المناضلون يمشون الكيلومترات لإقناع الناخبين، كانوا يدافعون عن قيمة الفعل السياسي. وحين كانوا يواجهون المال الانتخابي بصدور عارية، كانوا يراهنون على الأثر التراكمي للأخلاق في السياسة.
اليوم، يبدو أن هذا المعنى تراجع أمام براغماتية مفرطة، جعلت الانتخابات تُقرأ كمسار تقني لا كمعركة قيم.
استعادة المعنى
السؤال المطروح ليس: هل نشارك أم نقاطع؟ بل: بأي معنى نشارك؟
هل نشارك لتكريس خريطة جاهزة، أم لنُربكها أخلاقيا وسياسيا؟
هل نشارك بمنطق المقاعد، أم بمنطق الشهادة والفضح والتعبئة؟
ربما تكون البداية في استعادة روح “الترشيح النضالي”؛ ليس كشعار نوستالجي، بل كمنهج عمل يعيد للانتخابات معناها: فضاءً للصراع على القيم قبل الصراع على النتائج
الجديدة 12 ماي 2026

admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *