الإعلام العمومي بين وعود الإصلاح و واقع التراجع… هل استنفدت مرحلة فيصل العرايشي كل مبررات الاستمرار ؟

الإعلام العمومي بين  وعود  الإصلاح و  واقع  التراجع… هل  استنفدت  مرحلة فيصل العرايشي كل  مبررات  الاستمرار ؟


منذ سنوات، يتكرر الخطاب نفسه داخل أروقة الإعلام العمومي المغربي: “ الإصلاح قادم ”، “ التحديث مستمر ”، “ الرؤية الاستراتيجية قيد التنزيل ”. غير أن الواقع الذي يلمسه المواطن المغربي، كما يعيشه العاملون داخل المؤسسة الإعلامية العمومية، يكشف مفارقة صارخة بين حجم الوعود المعلنة و حقيقة النتائج المحققة على الأرض. فبعد أكثر من عقدين من التدبير تحت قيادة فيصل العرايشي، لا تزال الانتقادات تتصاعد، ليس فقط حول جودة المضامين، بل أيضا بشأن الحكامة و التسيير الاجتماعي و الاستراتيجي داخل المؤسسة.

لقد تحولت الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، في نظر جزء واسع من الرأي العام، إلى مؤسسة تستهلك ميزانيات ضخمة سنويا دون أن ينعكس ذلك بشكل واضح على جودة المحتوى أو على مستوى رضا المواطن. و الأسوأ من ذلك أن عددا من المشاريع و القرارات التي تم تقديمها باعتبارها خطوات إصلاحية كبرى، ظلت معلقة أو مجمدة أو فاقدة للأثر الحقيقي، رغم المصادقة عليها داخل المجالس الإدارية.

و من أبرز الأمثلة التي تعكس هذا الارتباك التدبيري، ملف “مؤسسة الأعمال الاجتماعية لمستخدمي الشركة”. فالمشروع تمت المصادقة عليه داخل مجلس إداري سنة 2022، و تم اعتماد يناير 2023 كتاريخ لانطلاق تفعيله، قبل أن يدخل في حالة تجميد غير مفهومة استمرت إلى غاية مجلس إداري آخر سنة 2025، حيث أعيد طرحه ضمن مشروع المؤسسة إلى جانب ملف التقاعد التكميلي. غير أن ما يثير الاستغراب هو أن الإدارة عمدت، في المقابل، إلى التواصل مع عدد من المستخدمين عبر تطبيق “ واتساب ”، و إرسال ملفات تقييم و استطلاع رأي حول مؤسسة الأعمال الاجتماعية، رغم أن أغلب مضامين المشروع لم يتم تنزيلها فعليا على أرض الواقع، باستثناء التأمين التكميلي الذي ظل الإجراء الوحيد الملموس إلى حدود اليوم.

هذا الأسلوب في التدبير يطرح أكثر من علامة استفهام حول جدية تنزيل القرارات الاجتماعية داخل المؤسسة، و حول الطريقة التي يتم بها التعامل مع انتظارات المستخدمين و حقوقهم الاجتماعية و المهنية. فكيف يمكن الحديث عن “إصلاح اجتماعي” بينما القرارات تبقى حبيسة الاجتماعات و البلاغات؟ و كيف يمكن إقناع العاملين بوجود إرادة حقيقية للتغيير، في وقت تستمر فيه حالة الترقب و الوعود المؤجلة؟

أما على مستوى الإنتاج و المحتوى، فإن الانتقادات لم تعد صادرة فقط عن المتابعين أو المهنيين، بل أصبحت تعبيرا جماعيا عن حالة سخط واسعة تجاه ما يقدمه الإعلام العمومي المغربي. فبرامج عديدة استمرت لسنوات طويلة دون أي تجديد حقيقي، و كأن المؤسسة تدور في حلقة مغلقة بعيدة عن التحولات المجتمعية و الإعلامية التي يعرفها المغرب و العالم.

و يكفي التوقف عند برنامج “لالة العروسة”، الذي تجاوز عمره 19 سنة، ليظهر حجم الجمود الذي يطبع الرؤية البرمجية. فرغم الشعبية التي حققها البرنامج في بداياته، إلا أن استمرار بثه بنفس الصيغة و الأسلوب أصبح موضوع انتقادات متزايدة، خاصة من طرف فئات واسعة من الشباب المغربي الذين يرون أن الإعلام العمومي بات عاجزا عن إنتاج أفكار جديدة و مضامين مواكبة لتحولات المجتمع.

الأمر لا يقف عند حدود البرامج الترفيهية، بل يمتد أيضا إلى البرامج الحوارية و السياسية. فبرنامج “الحديث بقية”، الذي عُوّل عليه لإعادة الروح للنقاش الإعلامي الجاد، وجد نفسه منذ حلقاته الأولى وسط موجة انتقادات واسعة. ورغم التجربة المهنية لمقدمه القادم من تجربة إعلامية سابقة بقناة خاصة، إلا أن عددا من المتابعين و الضيوف اعتبروا أن طريقة إدارة الحوار تفتقد أحيانا للحياد الصحفي المطلوب، و أن الأسئلة تطرح بمنطق أقرب إلى المواجهة أو إصدار الأحكام، بدل فتح المجال لنقاش متوازن يتيح للضيف فرصة كاملة لتوضيح مواقفه. بل إن بعض الضيوف الذين مروا عبر البرنامج عبروا بشكل غير مباشر عن شعورهم بأن مقدم البرنامج يغادر أحيانا موقع الصحفي المحاور إلى أدوار أخرى تتجاوز وظيفة الإعلامي المهني المحايد.

كل هذه المؤشرات تجعل سؤال الإصلاح داخل الإعلام العمومي مطروحا بإلحاح أكبر من أي وقت مضى. فالمشكل اليوم لم يعد تقنيا أو مرتبطا فقط ببرامج بعينها، بل أصبح أزمة ثقة حقيقية بين المواطن و مؤسساته الإعلامية العمومية. أزمة تتعلق بالمحتوى، و بطريقة التدبير، و بضعف الجرأة على التجديد، و باستمرار نفس العقليات و نفس الوجوه و نفس المقاربات رغم سنوات طويلة من الانتقادات المتراكمة.

إن الرهان على إعلام عمومي قوي و فاعل لا يمكن أن يتحقق فقط عبر الميزانيات الضخمة أو الشعارات الكبرى، بل يحتاج إلى إرادة حقيقية في التغيير، و إلى ربط المسؤولية بالمحاسبة، و إلى فتح نقاش وطني جاد حول مستقبل الإعلام العمومي المغربي، و دوره في مواكبة التحولات السياسية و الاجتماعية و الثقافية التي يعرفها المغرب.

لقد أصبح من الضروري اليوم طرح أسئلة واضحة دون مجاملة: ماذا تحقق فعليا بعد كل هذه السنوات من التدبير؟ و لماذا ما زال المواطن المغربي يشعر بأن إعلامه العمومي بعيد عن انتظاراته؟ و كيف يمكن الحديث عن “ إعلام خدمة عمومية” في ظل استمرار نفس الأعطاب البنيوية، سواء في الحكامة أو الإنتاج أو تدبير الموارد البشرية ؟

إن الإصلاح الحقيقي لا يكون بإعادة تدوير الخطابات نفسها، و لا بتجميل الواقع عبر حملات التواصل، بل يبدأ بالاعتراف الصريح بحجم الاختلالات، و فتح المجال أمام نفس جديد قادر على إعادة الثقة للإعلام العمومي المغربي، قبل أن تتحول أزمة الثقة الحالية إلى قطيعة كاملة بين المواطن و شاشته الوطنية.

admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *