الإعلام العمومي.. حكومات تتعاقب، وقيادات تستمر، و إصلاح يظل مؤجلًا
حين تتغير الحكومات دون أن تتغير قواعد تدبير الإعلام العمومي، يصبح الإصلاح وعدًا متجددًا، و تظل انتظارات العاملين و المواطنين معلقة بين الخطاب السياسي و واقع الممارسة.**
ليست المشكلة في أن تتغير الحكومات، فذلك من صميم التداول السياسي و تطور الاختيارات العمومية، و إنما في أن تتغير الحكومات بينما تظل الاختلالات نفسها قائمة، و تتكرر الأسئلة ذاتها، و تبقى الملفات العالقة حبيسة الانتظار، و كأن قطاع الإعلام العمومي خارج دائرة التحولات التي يفترض أن تصنعها كل مرحلة حكومية جديدة.
في المغرب، يظل إصلاح الإعلام العمومي من الملفات التي تتجدد حولها الوعود كلما تغيرت الوجوه الحكومية، و تتعالى بشأنها التصريحات كلما ارتفعت رهانات المرحلة، غير أن الانتقال من الخطاب إلى النتائج يظل، في كثير من الأحيان، أبطأ من حجم الانتظارات و أقل من مستوى التطلعات. و هنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي لقطاع تتبدل الحكومات المشرفة عليه، بينما تستمر داخله أنماط التدبير نفسها، و تظل مراكز القرار الفعلية بعيدة عن التغيير الذي يفترض أن يواكب التحولات السياسية و المؤسساتية؟
إن الإشكال لا يرتبط بالأشخاص في حد ذاتهم، ولا يستقيم اختزال أزمة الإعلام العمومي في تغيير مسؤول أو تعيين آخر، بل يتعلق أساسًا بمدى القدرة على تجديد فلسفة التدبير، وإرساء حكامة واضحة، و ربط المسؤولية بالمحاسبة، و تقييم حصيلة القيادات على أساس النتائج المحققة، لا على أساس مدة البقاء في المناصب أو القدرة على تدبير التوازنات الداخلية.
فحين تستمر القيادات نفسها عبر مراحل حكومية متعاقبة، دون أن تكون هناك مراجعة واضحة للحصيلة أو مساءلة جدية بشأن الملفات المتعثرة، يصبح من المشروع التساؤل عن جدوى هذا الاستمرار، و عن المعايير المعتمدة في تجديد الثقة، و عن مدى ارتباط المسؤولية الإدارية بتحقيق التحول المنشود. فالاستمرارية في حد ذاتها ليست عيبًا، كما أن تغيير المسؤولين ليس إصلاحًا تلقائيًا؛ لكن الاستمرارية التي لا تنتج تقييمًا و لا تجديدًا ولا نتائج ملموسة تتحول إلى عامل يكرس الجمود و يعيد إنتاج الاختلالات ذاتها.
**أزمة الإعلام العمومي ليست فقط أزمة إمكانات، بل هي أيضًا أزمة قرار و حكامة و فعالية مؤسساتية.**
و من هنا تبرز مسؤولية الوزارة الوصية، ليس باعتبارها مجرد جهة إدارية تتابع القطاع أو تشرف على توجهاته العامة، و إنما باعتبارها مؤسسة يفترض أن تضطلع بدور فعلي في بلورة الرؤية الاستراتيجية، و تقييم السياسات المعتمدة، وتتبع تنفيذ الإصلاحات، و ضمان الانسجام بين التوجهات الحكومية و الأهداف المعلنة للمرفق الإعلامي العمومي.
فما جدوى الوصاية الحكومية إذا ظلت آثارها على واقع التدبير محدودة، و إذا استمرت الملفات الكبرى في الدوران داخل حلقات الانتظار، و إذا لم يلمس العاملون و المشاهدون نتائج واضحة في جودة الخدمات، و تطوير الإنتاج، و تحديث الوسائل التقنية، و تحسين ظروف العمل، وتعزيز استقلالية القرار التحريري، و ترسيخ العدالة المهنية و تكافؤ الفرص؟
إن طرح هذه الأسئلة لا يعني المطالبة بتدخل سياسي في الخط التحريري، بل على العكس؛ إنه دعوة إلى وصاية مؤسساتية مسؤولة، تحمي استقلالية الإعلام العمومي من جهة، وتضمن خضوع تدبيره لمبادئ الحكامة و الشفافية والتقييم والمساءلة من جهة أخرى. فالاستقلالية لا تعني الإفلات من المحاسبة، كما أن الوصاية لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد إطار شكلي لا يملك أثرًا واضحًا في تصحيح الاختلالات.
و الأكثر إثارة للقلق أن تستمر داخل المؤسسات الإعلامية العمومية ممارسات و أنماط تدبير تجعل القرار الفعلي، في نظر العاملين، محصورًا في دوائر داخلية يصعب اختراقها أو مساءلتها، بينما تبقى التوجيهات العامة والخطابات الإصلاحية عاجزة عن إحداث التحول المطلوب. و هنا يصبح السؤال أكبر من مجرد ضعف التنسيق بين الوزارة و المؤسسة؛ إنه سؤال يتعلق بتوزيع المسؤوليات، وحدود الصلاحيات، و فعالية الرقابة، و مدى وجود إرادة مؤسساتية حقيقية لإعادة ترتيب الأولويات.
فلا يمكن أن نطالب بإعلام عمومي حديث، قادر على مواكبة التحولات الرقمية و المهنية و المجتمعية، بينما تظل آليات التدبير رهينة مقاربات تقليدية، و تبقى الكفاءات البشرية و التقنية في انتظار الاعتراف بمجهوداتها، و تظل ملفات مهنية و اجتماعية عالقة دون آجال واضحة للحسم فيها. كما لا يمكن بناء مؤسسة إعلامية قوية دون الاستثمار في مواردها البشرية، و تحفيز المبادرة و الإبداع، وضمان الإنصاف المهني، وفتح المجال أمام الكفاءات لتولي المسؤولية على أساس الاستحقاق و الكفاءة و القدرة على الإنجاز.
إن العاملين في الإعلام العمومي لا ينتظرون خطابات جديدة بقدر ما ينتظرون قرارات قابلة للتنفيذ. ينتظرون أن تتحول الوعود إلى برامج محددة، و أن تصبح الالتزامات مؤطرة بآجال و مسؤوليات واضحة، وأن يكون لكل إصلاح مؤشر يقيس أثره، و لكل مسؤول حصيلة يمكن مناقشتها و تقييمها، ولكل اختلال مسار مؤسساتي لمعالجته.
أما المواطن، الذي يمول هذا المرفق العمومي بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فمن حقه أن يتساءل عن مردودية الموارد المرصودة، و عن مدى قدرة الإعلام العمومي على التعبير عن تنوع المجتمع، و مواكبة قضاياه الحقيقية، و تقديم خدمة إعلامية ذات جودة، وتعزيز الثقة و المصداقية، بعيدًا عن منطق الاكتفاء باستمرار المؤسسات في أداء و ظائفها الشكلية.
و لعل أخطر ما يمكن أن يصيب مشروع الإصلاح هو أن يتحول إلى عنوان دائم يتجدد مع كل مرحلة حكومية، دون أن يجد طريقه إلى التنفيذ. عندها لا يعود التأجيل مجرد تعثر عابر، بل يصبح نمطًا في تدبير الزمن المؤسساتي، حيث تتراكم الانتظارات، و تتكرر الوعود، و تتبدل الخطابات، فيما يظل الواقع أقل من مستوى ما يعلنه الجميع.
**إن إصلاح الإعلام العمومي لا يبدأ بتغيير الحكومة وحده، و لا يتحقق بمجرد الإبقاء على القيادات نفسها، بل يبدأ حين يصبح تقييم الأداء شرطًا للاستمرار، و حين تتحول المسؤولية إلى التزام بالنتائج، و حين تمارس الوزارة الوصية دورها الاستراتيجي و الرقابي بفعالية، دون المساس باستقلالية المرفق الإعلامي.**
المطلوب اليوم ليس حملة جديدة من التصريحات، و لا إعلانًا إضافيًا عن نوايا الإصلاح، بل مراجعة مؤسساتية جادة تحدد مكامن الخلل، و تكشف أسباب تعثر القرارات، و تقيم حصيلة التدبير، وتضع جدولًا زمنيًا لتنفيذ الالتزامات، و تربط استمرار المسؤوليات بالقدرة على الإنجاز.
فالإعلام العمومي ليس ملكًا لحكومة عابرة، ولا مجالًا مغلقًا على قيادات دائمة، بل مرفق عمومي يفترض أن يخدم المجتمع، و يستجيب للتحولات، و يصون كرامة العاملين فيه، و يعكس قيمة الاستثمار العمومي الموجه إليه.
وإذا كانت الحكومات تتغير لأن الزمن السياسي يفرض التقييم و التجديد، فإن المؤسسات العمومية مطالبة بدورها بأن تتطور، و أن تراجع اختياراتها، و أن تقدم حسابًا عن حصيلتها. أما أن تتعاقب الحكومات و تستمر الاختلالات، و أن تتجدد الوعود فيما تظل النتائج محدودة، فذلك يفرض سؤالًا لا يمكن الاستمرار في تأجيله:
**من المسؤول عن تعثر الإصلاح حين تتغير الحكومات، بينما يظل واقع الإعلام العمومي عصيًا على التغيير؟**
إن الإجابة عن هذا السؤال هي المدخل الحقيقي لأي إصلاح جاد؛ إصلاح لا يكتفي بتغيير الخطاب، و لا يكتفي بتدوير المسؤوليات، بل يضع حدًا للفجوة بين القرار و التنفيذ، و بين الوعود و النتائج، و بين ما ينتظره المجتمع و ما يقدمه الإعلام العمومي فعلًا.
فالإصلاح الذي لا يغير الواقع يظل مجرد إعلان عن الإصلاح، و الوصاية التي لا تترك أثرًا مؤسساتيًا ملموسًا تظل موضع مساءلة، و المسؤولية التي لا تقاس بالحصيلة تفقد معناها الإصلاحي. أما انتظارات العاملين و المواطنين، فلا ينبغي أن تظل موقوفة التنفيذ إلى أجل غير مسمى.


