ربع قرن من التدبير: هل تحول الإعلام العمومي إلى مؤسسة خارج الزمن القانوني؟

لم يعد الحديث عن أزمة الإعلام العمومي في المغرب مجرد نقاش مهني حول جودة البرامج أو ضعف التنافسية أمام المنصات الرقمية، بل أصبح سؤالاً عميقاً يتعلق بالحكامة القانونية و المؤسساتية لهذا القطاع الحيوي. فبعد ما يقارب ربع قرن من التدبير، تتراكم المؤشرات التي توحي بأن الإعلام العمومي يعيش حالة غير مسبوقة من الفراغ التنظيمي و القانوني، تطرح بحدة سؤال المسؤولية.
تشتغل **الشركة الوطنية للإذاعة و التلفزة** في إطار قانوني يحدده أساساً **القانون رقم 77.03 المتعلق بالاتصال السمعي البصري**، إضافة إلى دفاتر التحملات التي يفترض أن تؤطر طبيعة الخدمة العمومية المقدمة للمواطنين. غير أن الواقع يكشف أن آخر مراجعة لهذه الدفاتر تعود إلى سنة 2012، أي قبل أكثر من عقد من الزمن، في الفترة التي كان يشرف فيها على القطاع وزير الاتصال آنذاك **مصطفى الخلفي**.
و تنص القواعد التنظيمية المؤطرة لهذا المجال على أن دفاتر التحملات ليست وثيقة دائمة، بل تخضع للمراجعة الدورية بما يواكب تطور المشهد الإعلامي و تحولات المجتمع. غير أن استمرار العمل بدفاتر تحملات تجاوزت عمرها الزمني المفترض يطرح إشكالاً حقيقياً في مدى ملاءمة الإطار التنظيمي الحالي مع التحولات العميقة التي يعرفها قطاع الإعلام.
و لا يقف هذا الفراغ عند حدود دفاتر التحملات، بل يمتد إلى غياب عقد برنامج يربط المؤسسة بالدولة منذ أكثر من عشر سنوات. فعقد البرنامج يفترض أن يشكل الآلية التعاقدية التي تحدد الأهداف الاستراتيجية للمؤسسة مقابل الدعم العمومي الذي تتلقاه، كما يحدد مؤشرات الأداء و آليات التقييم. و في غياب هذا الإطار، يصبح من الصعب الحديث عن حكامة قائمة على التخطيط و المساءلة.
لكن الأخطر من ذلك أن مظاهر الخلل لا تتوقف عند الجوانب التعاقدية، بل تمتد إلى عناصر أساسية في الحكامة المؤسساتية. فإلى اليوم، يظل **النظام الداخلي للمؤسسة غير منشور بشكل واضح للرأي العام** و لا بمدخل المؤسسة بيطلع عليه المستخدمين ، رغم أن المؤسسات العمومية الكبرى يفترض أن تعتمد الشفافية في تنظيمها الداخلي و أن تضع قواعد التدبير الإداري و المهني في متناول الجميع.
كما أن **الهيكل التنظيمي الرسمي للمؤسسة** لا يظهر بشكل واضح و مفصل في الفضاء العمومي أو في موقعها الرسمي، و هو أمر يثير تساؤلات حول طبيعة توزيع المسؤوليات داخل مؤسسة يفترض أن تكون نموذجاً في الحكامة المؤسسية.
و يزداد هذا الغموض عندما يتعلق الأمر بالجانب القانوني المرتبط بالشركة، حيث تطرح تساؤلات حول **الوضعية القانونية للملف التجاري للمؤسسة لدى المحكمة التجارية**، و هي مسألة أساسية لأي شركة مساهمة يفترض أن تحترم قواعد الإشهار القانوني و الشفافية التنظيمية.
إن تراكم هذه المؤشرات لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تفاصيل إدارية عابرة، بل يعكس اختلالات بنيوية في حكامة الإعلام العمومي. فالمؤسسة التي يفترض أن تقدم نموذجاً في الشفافية و التدبير الجيد تبدو اليوم في وضع يثير الكثير من الأسئلة حول مدى احترامها لأبسط قواعد الحكامة المؤسسية.
وفي هذا السياق، يبرز دور **الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري** باعتبارها الجهة التنظيمية المكلفة بالسهر على احترام الإطار القانوني للقطاع. غير أن استمرار العمل بإطار تعاقدي و تنظيمي متقادم يحد من فعالية الرقابة ويجعل تقييم أداء المؤسسات الإعلامية العمومية أمراً بالغ التعقيد.
كل هذه المعطيات تطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن الحديث اليوم عن مشروع إصلاح شامل للإعلام العمومي، أو عن تحويله إلى شركة قابضة في إطار مشروع الهولدينغ، في حين أن الأسس القانونية و التنظيمية التي يقوم عليها هذا القطاع لم يتم تحيينها منذ أكثر من عقد؟
إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بإعادة ترتيب الهياكل أو تغيير المسميات المؤسسية، بل يبدأ بإرساء قواعد واضحة للحكامة و الشفافية. فتحديث دفاتر التحملات، و تجديد عقود البرامج، و نشر الهياكل التنظيمية و الأنظمة الداخلية، و تحيين الوضعية القانونية للمؤسسات في السجلات الرسمية، ليست مجرد إجراءات تقنية، بل هي شروط أساسية لأي إصلاح جدي يسعى إلى إعادة الاعتبار للإعلام العمومي.
بعد ربع قرن من التدبير، يبدو أن السؤال لم يعد يتعلق فقط بمستقبل الإعلام العمومي، بل أيضاً بمدى قدرة هذا القطاع على استعادة توازنه القانوني و المؤسساتي. فالإعلام العمومي ليس مجرد مؤسسة إنتاج برامج، بل هو ركيزة من ركائز الحياة الديمقراطية، و أي خلل في حكامته ينعكس بالضرورة على جودة الخدمة العمومية التي يقدمها للمجتمع.

