تفكيك تصريحات عزّام في ظلّ غياب التمحيص المنهجي للحقيقة

قرأتُ ما خُطَّ بعنوان “استمحاص”، فوجدته – مع الأسف – أقرب إلى استملاسٍ للعقول منه إلى تمحيصٍ للحقائق؛ إذ لا يكفي أن تُزيَّن العبارة لتصبح حُجّة، ولا أن يُرفَع الصوت ليُسمَع العقل. وكان الأجدر بصاحبه – إن أراد فعلاً “التمحيص” – أن يلتزم بأدواته وضوابطه، لا أن يتّخذ منه شعاراً يُرفع، ومضموناً يُخالف في آنٍ واحد.
إنّ الناظر في هذا المقال لا يحتاج كبير عناء ليكتشف مقدار الاضطراب المنهجي الذي يعتريه؛ إذ كاتبه قد تجرّد من أبسط قواعد الاستدلال العلمي والفقهي، فبنى دعواه على مجرّد دعاوى مرسلة، وتلبيسات خطابية، لا ترقى إلى مستوى الحجة ولا تنهض أمام ميزان التحقيق. فأين التثبّت الذي هو أصلٌ في مثل هذه النوازل؟ وأين تحرير محلّ النزاع؟ وأين إقامة الدليل المعتبر بدل التعويل على الإيحاء والتشغيب؟ إنّ ما سُمّي “تمحيصاً” ليس في حقيقته إلا انتقاءً انتقائياً للوقائع، وتفسيراً موجّهاً لها بما يخدم نتيجة مقرّرة سلفاً.
أمّا أوّل ما أثاره الكاتب من “تراجعٍ” مزعوم، فليته تراجع قليلًا عن القفز إلى الاستنتاجات قبل التثبّت من الوقائع؛ فالكلام المبتور، والسياق المقطوع، لا يصنعان حُكمًا، بل يثيران شبهة. فإن كان عندكم علمٌ كاملٌ بالسياق فهاتوه، وإن لم يكن، فإن إثارة الغبار لا تصنع جبلًا، مهما بالغ صاحبها في النفخ.
ولا يخفى على السي عزام أن الامتناع عن تحمّل المشيخة ليس تناقضًا، بل هو دأبُ أهلها؛ إذ يشهد التاريخ أن الأكابر كثيرا ما نفروا من التصدّر، لا عجزا، بل تعظيما للمقام.
أم نسي الكاتب – أو تناسى – ما وقع لغير واحد من أهل الطريق في هذا الباب؟ أم صارت الذاكرة الانتقائية منهجا يُستعمل عند الحاجة ويُغفل عند الإلزام؟
فلو سلّمنا أن سيدي معاذ قد أقرّ بلسانه بأن غيره هو الخليفة، امتناعا منه عن تحمّل هذه المسؤولية، فإن سيدي الحاج العباس نفسه أقرّ أمام شيخه بامتناعه عن تولّي المشيخة. وقد وقع الأمر ذاته – وكأن التاريخ يعيد نفسه – لسيدي معاذ أمام شيخه سيدي حمزة، حين أمره بإحضار العدول لتعديل الوصية، فامتنع رغم إصرار شيخه؛ وهو ما يكشف عن تردّدٍ بيّنٍ في تحمّل هذا التكليف، وزهدٍ في التصدّر. وقد ظلّ على هذا الحال إلى أن تدخّلت إمارة المؤمنين لوضع الأمور في نصابها، وتثبيت ما اعتُبر موافقًا لتوجّه سيدي حمزة ونظرته الربانية الثاقبة. وهنا يبرز سؤالٌ جوهري: ما المصلحة التي يمكن أن تدفع مؤسسات الدولة إلى إبعاد شخصٍ أو تقديم آخر، في غياب مبرّرٍ موضوعيٍّ واضح؟
ثم يأتي السؤال الذي يبدو أنه يُتعمَّد تجاهله: هل صار من يفرّ من المقام أصدق ممن يتهافت عليه؟ أم أن ميزان الفهم صار يُقلب بحسب الهوى لا بحسب المنطق، وبحسب التحيز لا بحسب الإدراك؟ غير أن هذه التفاصيل الدقيقة – بطبيعة الحال – لا تُدرك بعينٍ لا ترى إلا ما تريد، ثم تُسمّيه “تمحيصًا”.
ثم إنّ الكاتب لم يقف عند حدّ الخلل المنهجي، بل تجاوزه إلى خرقٍ بيّن لآداب البحث والمناظرة؛ إذ نراه يكيل بمكيالين في خطابٍ واحد: فيُسَيِّدُ من انحاز إليه ويُجرِّد آخر من أبسط عبارات التوقير، في انتقائية فاضحة لا تليق بمن يدّعي التربية والأخلاق والإنصاف.
وأمّا ثانيًا، فالزجّ بالعلاقات العائلية في مقام النقاش العلمي والديني، هو أضعف ما يُستدلّ به، بل هو علامة إفلاسٍ في الحُجّة لا قوّةٍ فيها. وهل صار ميزانُ المشيخة اليوم هو ما يُشاع عن علاقةٍ هنا أو هناك؟! إن كان الأمر كذلك، لضاعت المعايير، واختلطت المقامات بالشائعات.
ومن أراد أن يتكلم في الشرع، فليأتِ بدليلٍ شرعيّ واضح، لا بإشاراتٍ مُرسَلة تُبنى على “يُقال” و”لا يخفى”.
وأمّا الأخطر من ذلك، فهو اقتحامه لما لا يجوز اقتحامه، وخوضه في مسائل عائلية خاصة، مع إطلاق اتهامات جسيمة دون بيّنة ولا تثبّت، وهو مسلك مرفوض شرعاً وعقلاً، قبل أن يكون مرفوضاً خُلقاً. فالتعرّض للأعراض، ورمي الناس بالظنون، ليس من منهج أهل العلم، بل هو من مسالك التشهير التي تفسد أكثر مما تصلح.
وأمّا ثالثًا، فالحديث عن مقام الوالدة الشريفة – حفظها الله – حقٌّ لا يُنكر، لكن تحويل هذا المقام إلى حجّةٍ فاصلة في تقرير المشيخة، فذلك خلطٌ بين البرّ والاتباع، وبين الاحترام والدليل. فالمقامات تُحفظ، لكن الأحكام تُبنى على أصولها، لا على العواطف مهما سمت. ولو كان مجرّد القُرب أو المعرفة كافيًا، لما اختلف الناس أصلًا في مثل هذه القضايا.
ثم كيف يُقبل في منهج التوثيق والنقل اعتماد شهاداتٍ تُخالف تصريحَات سيدي حمزة في الموضوع، وهو المعنيّ المباشر بالأمر دون غيره.
ثم إن في ثنايا الكلام تناقضًا لطيفًا يدعو للابتسام: تُطالبون الناس بالتمحيص، ثم تقدّمون لهم أحكامًا جاهزة بلا تمحيص حقيقي؛ وتدعون إلى اتّباع “الحق”، ثم تحصرونه في قراءةٍ واحدة لا تحتمل نقاشًا.
خلاصة القول: التمحيص الحقيقي لا يكون بالتشكيك الانتقائي، ولا بالاستقواء بالعاطفة، ولا بإثارة الشبهات، بل يكون بالعدل، والتجرّد، واستحضار كامل الصورة. فإن أردتم “استمحاصًا” صادقًا، فابدؤوا به في منهجكم قبل أن تطلبوه من غيركم… وحينها فقط، سيكون للكلام وزن، وللحجّة نور.
رباعية للتمحيص:
بعد تفكيك “ثلاثيتكم المتقلقلة”، التي لم تقم على أساسٍ من الدليل، وظلّت حبيسة الإيحاء والتأويل، متكئةً على النبرة الانفعالية دون سندٍ علميٍّ ولا دليل، نضع بين أيديكم—في مقابل ذلك—أربع حججٍ بيّنة جديرة بالتمحيص:
أما المسألة الأولى: فكيف يُفسَّر تغاضيكم عن الترويج لمغالطاتٍ يُراد بها استمالة الفقراء، عبر الادعاء بأن اسم سيدي منير كان مثبتًا في وصية سيدي حمزة، التي كُتبت سنة 1990 على يد الأستاذ أحمد التوفيق، في حين أنكم كنتم من الشهود على إدراج هذا الاسم بعد أكثر من عشر سنوات من تاريخ تحريرها؟ ثم كيف لم تبادروا إلى التمحيص في حقيقة هذه الإضافة: هل جاءت في سياقٍ طبيعي يعكس إرادةً حرّة؟ أم أُقحمت في ظروفٍ تثير التساؤل، ولا تنسجم مع مقتضيات الاختيار الروحي وضوابطه الشرعية كما يُدَّعى؟
وأما المسألة الثانية: فكيف يُفهم ما كان عليه سيدي حمزة من امتعاضٍ متكررٍ من إضافة اسم سيدي منير إلى وصيته، وهو ما ظلّ يؤكّده إلى حين وفاته؟ ولو كنتم من الملازمين له لسمعتم ذلك منه مرارًا. بل إن هذا المعنى يتعزّز بما ثبت في تسجيلٍ صوتيٍّ له في أواخر حياته، يصرّح فيه بأن سيدي الحاج العباس لم يُخبره بأن سيدي منير هو صاحب البشارة. ألا يدلّ هذا الإقرار الصريح، المقرون بتكراره، على عدم إقراره لتلك الإضافة، وعلى نقض ما بُني عليها من شهاداتٍ سارت في الاتجاه المخالف؟
وأما المسألة الثالثة: ما هي حججكم العلمية والشرعية التي تُسوّغ نسبة وصيتكم الثانية إلى سيدي جمال، مع قيام جملةٍ من القرائن التي تُثير إشكالاتٍ جوهرية، من أبرزها: الحالة الصحية المتدهورة للشيخ آنذاك، بما يطرح تساؤلاتٍ جدّية حول مدى أهليته للإملاء أو الإقرار بالوصية على الوجه المعتبر شرعًا وقانونًا. ثم غياب الشهود المباشرين على إنشاء الوصية أو تحريرها في سياقها الأصلي، وعدم ثبوت العلم المسبق بها على نحوٍ يُعتدّ به. هذا فضلًا عمّا تم تداوله من مقاطع مصوّرة تُوحي بوجود ضغطٍ وإكراه أثناء محاولة عرض مضمونها، مع ملاحظة امتناع الشيخ عن التفاعل معها بما يفيد الإقرار. وكذلك وجود معطياتٍ منسوبة إلى شهاداتٍ عدلية تُفيد امتناعه عن التوقيع على الوثيقة محلّ النزاع، فضلًا عن غياب الوضوح في ظروف إصدارها. ثم ما يبدو من تعارضٍ بين مضمونها وبين ما استقرّ عليه التصريح السابق لسيدي حمزة في أواخر حياته.
وأما المسألة الرابعة: فكيف يُستساغ لكم الإعراض عن جملةٍ من الشبهات المثارة، دون أدنى طلبٍ للتحقّق أو تحرٍّ للحقيقة؟ أليس من مقتضى الصدق في الطلب أن تُوزن الأمور بميزانٍ واحد، لا أن يُغضّ الطرف عمّا يُخالف الهوى؟ إنّ الحديث عن انحرافاتٍ خطيرة – كادّعاءات الاشتغال بما لا يليق من السحر والشعوذة، أو تحويل الطريق من إرثٍ روحي إلى مجرّد ماركة تجارية، أو التردد على أماكن اللهو واللعب، أو شبهات الاختلاط بالنساء أو غير ذلك من التصرفات التي تُناقض ظاهر الالتزام – إنما هو بابٌ يستوجب التثبّت الصارم، لا التلقّي بالتسليم ولا الدفع بالإنكار المجرد.
ثمّ أليس من الأصول التي تقرّرت عند القوم، قبل غيرهم، أنّ الميزان هو الشريعة لا الأشخاص؟ ألم يكن سيدي حمزة قدّس الله سرّه يُصرّح غير مرّة: «لو لم أر من والدي التزامه بالشريعة كما كان سيدي بومدين، لما اتبعته»، وكان يردّد: «إذا رأيتموني منحرفاً عن الشريعة فابتعدوا عني ولا تتبعوني»؟ فكيف يُترك هذا الأصل البيّن، ويُستعاض عنه بتعصّبٍ للأشخاص، أو تسويغٍ للأفعال دون بيّنة؟
إنّ المطلوب هنا ليس تصديق كل دعوى، ولا تبنّي كل شبهة، ولكن المطلوب هو المنهج: منهج التثبّت، والإنصاف، وعرض الأقوال والأفعال على ميزان الشرع، بعيداً عن الانتقائية والازدواجية. فبهذا وحده يُعرف المحقّ من المبطل، ويُصان الطريق من أن يُتلاعب به أو يُنسب إليه ما ليس منه.
فكيف تُجاب هذه الإشكالات مجتمعة، وهي تمسّ أصل الحجّية في هذه الوصية سندًا ومضمونًا، وتُضعف—في ظاهرها—الاستناد إليها في مثل هذا المقام؟
الدكتور اسماعيل الراضي

