طريق الموت البطيء… حين تتحول العزلة إلى عنوان للتهميش في عمالة شيشاوة .


في الوقت الذي تتواصل فيه الدعوات إلى تقليص الفوارق المجالية و تحقيق العدالة الترابية، لا تزال مناطق عديدة بالمغرب تعيش خارج دائرة الاهتمام، و كأنها لا تنتمي إلى خريطة التنمية التي تتحدث عنها التقارير و الخطب الرسمية. و من بين هذه المناطق، تبرز الطريق الرابطة بين دواوير **أهل التونسي، و الخرشي، و أهل بلقايد** التابعة لعمالة شيشاوة، باعتبارها نموذجًا صارخًا لمعاناة مستمرة مع الإقصاء و التهميش.
هذه الطريق ليست مجرد ممر ترابي مهترئ، بل هي الشريان الوحيد الذي يربط أكثر من **200 أسرة** و حوالي **50 ضيعة فلاحية** بمحيطها الاقتصادي و الاجتماعي. غير أن حالتها الكارثية جعلتها تتحول إلى عائق حقيقي أمام أبسط الحقوق الدستورية، و على رأسها الحق في التنقل، و الولوج إلى الخدمات الصحية، و التعليم، و فرص العيش الكريم.
ففي المجال الصحي، يجد المرضى و النساء الحوامل أنفسهم أمام واقع مأساوي، حيث تعجز سيارات الإسعاف عن الوصول إلى الدواوير، مما يضطر السكان إلى نقل الحالات المستعجلة بوسائل بدائية، في مشاهد لا تليق بمغرب القرن الحادي و العشرين، و تطرح أكثر من سؤال حول الحق في العلاج و المساواة بين المواطنين.
أما القطاع الفلاحي، الذي يشكل المورد الرئيسي لعيش عشرات الأسر، فقد أصبح بدوره ضحية مباشرة لتدهور البنية التحتية. فالمنتوجات الفلاحية تتعرض للتلف قبل بلوغ الأسواق، و ترتفع كلفة النقل بشكل يلتهم أرباح الفلاحين، و هو ما يفاقم الهشاشة الاقتصادية و يقوض كل الجهود الرامية إلى تنمية العالم القروي.
و لم يسلم التلاميذ بدورهم من تبعات هذه الوضعية، إذ تتحول الطريق مع كل تساقط للأمطار إلى حاجز يمنعهم من الوصول إلى مؤسساتهم التعليمية، مما يؤدي إلى الغياب المتكرر و الانقطاع عن الدراسة، و يعمق الفوارق التعليمية بين أبناء العالم القروي و نظرائهم في المدن.
إن المؤسف في هذا الملف ليس فقط تدهور الطريق، بل استمرار سياسة الوعود المؤجلة، حيث يؤكد السكان أنهم طرقوا أبواب المسؤولين مرارًا، دون أن يلمسوا أي تدخل عملي يضع حدًا لمعاناتهم. و هو ما يعكس خللًا في ترتيب الأولويات، و يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى التزام الجهات المعنية بتحقيق العدالة المجالية التي نص عليها الدستور.
إن التنمية لا تقاس بحجم المشاريع الكبرى في المدن وحدها، و إنما أيضًا بقدرة الدولة و الجماعات الترابية على ضمان الحد الأدنى من البنية التحتية للمواطنين في المناطق القروية. فالطريق ليست امتيازًا تمنحه الإدارة متى شاءت، بل هي حق أساسي و مدخل رئيسي للتنمية، و غيابها يعني تكريس الفقر و العزلة و الإقصاء.
وأمام هذا الواقع، فإن ساكنة دواوير أهل التونسي و الخرشي و أهل بلقايد تجدد مطالبتها بإيفاد لجنة ميدانية للوقوف على حجم المعاناة، مع الإسراع بإدراج هذه الطريق ضمن البرامج الاستعجالية للتأهيل، حفاظًا على كرامة المواطنين، و دعمًا للتنمية المحلية، و إنصافًا لساكنة طال انتظارها لإنصاف يبدو أنه تأخر أكثر مما ينبغي.
إن استمرار هذا الوضع لم يعد مجرد تقصير إداري، بل أصبح اختبارًا حقيقيًا لمدى جدية السياسات العمومية في تحقيق التنمية المتوازنة، و احترام حق المواطنين، أينما وجدوا، في العيش الكريم داخل وطنهم.

