دراسات تطبيقية في فقه السُّنن الربانية (2)

دراسات تطبيقية في فقه السُّنن الربانية (2)

بقلم: محمد بنعياد
طالب باحث في الدراسات الإسلامية وقضايا المجتمع المعاصر – جامعة محمد الخامس بالرباط

 

سنة الاستدراج… لماذا يُمهِل الله الظالم؟
قراءة قرآنية في الإمهال قبل الأخذ والعقاب.

من أكثر الأسئلة التي تتكرر عند مشاهدة الواقع: لماذا يستمر الظالم في سلطانه سنوات طويلة؟ ولماذا يبدو أحيانًا أن الباطل يزداد قوة ونفوذًا؟ وهل يدل طول الإمهال على الرضا، أو على أن سنن الله قد تعطلت؟
هذه الأسئلة ليست جديدة، وقد أجاب عنها القرآن الكريم من خلال سنة ربانية دقيقة، هي سنة الاستدراج والإملاء، وهي من السنن التي قد تخفى على كثير من الناس؛ لأنهم ينظرون إلى النتائج العاجلة، بينما يعلمهم القرآن أن ينظروا إلى القوانين التي تحكم حركة الأمم.
قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ۝ وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾
تكشف هذه الآية عن حقيقة عميقة؛ فليس كل امتداد في القوة دليلًا على النجاح، وليس كل تأخر في العقوبة دليلًا على الرضا، فقد يكون الإمهال نفسه جزءًا من سنة إلهية، يُترك فيها الإنسان حتى تستكمل أسبابه، وتقوم عليه الحجة، ثم يأتي أمر الله في الوقت الذي يقدره سبحانه بحكمته وعدله.
ولهذا كان العلماء يفرقون بين الإمهال والإهمال؛ فالله سبحانه يُمهل ولا يُهمل، ويؤخر الأخذ لحكمة، لكنه لا يترك الظلم بلا حساب.

ولم يكتف القرآن ببيان هذه السنة في صورة قاعدة عامة، بل جسدها في قصص الأنبياء والأمم السابقة، فقد أمهل الله فرعون زمنًا طويلًا، وأرسل إليه الآيات المتتابعة، ودعاه إلى الرجوع، ومع ذلك استمر في طغيانه حتى قال:
﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي
ولم يكن ذلك نهاية المطاف، بل استمر الإمهال حتى بلغ الطغيان منتهاه، ثم جاءت لحظة الأخذ التي قصها القرآن بقوله تعالى:
﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ
وكذلك شأن قوم نوح، وعاد، وثمود، وغيرهم من الأمم؛ فلم يكن الأخذ أول ما واجههم، وإنما سبقته الدعوة، والإنذار، والإمهال، حتى إذا أصروا على التكذيب والفساد جرت فيهم سنة الله التي لا تتبدل.
ومن هنا يتبين أن سنة الاستدراج ليست تعجيلًا بالعقوبة، وإنما هي إمهال يكشف ما في النفوس، ويميز بين من يرجع إلى الحق ومن يزداد استكبارًا، ولذلك كان الاستدراج في حقيقته ابتلاءً، لا كرامة، واختبارًا، لا دليل رضا.

إن أخطر ما يقع فيه الإنسان أو الأمة أن تفسر دوام النعمة، أو اتساع النفوذ، أو استقرار السلطة، على أنه ضمانة للبقاء، فالقرآن يعلمنا أن البقاء لا يرتبط بطول المدة، وإنما بقيام العدل، وتحقيق الإصلاح، والاستقامة على أمر الله.
ولهذا قال سبحانه:
﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾
فالظلم هو مناط الأخذ، أما زمن وقوعه فداخل في حكمة الله سبحانه، التي تقتضي الإمهال حينًا، ثم الأخذ حين تستكمل أسبابه.
ومن هنا فإن الباحث في فقه السُّنن الربانية لا يفسر الأحداث بظاهرها، ولا يستعجل النتائج، بل ينظر إلى السنن التي كشفها القرآن، فإذا رأى ظالمًا قد امتد سلطانه، لم يحكم بأن سنة الله قد تعطلت، وإذا رأى تأخر العقوبة، لم يظن أن الظلم أصبح سببًا للبقاء، بل يعلم أن لله سننًا تجري وفق حكمته، لا وفق استعجال الناس.
وإذا انتقلنا من القصص القرآني إلى واقعنا المعاصر، فإننا نجد كثيرًا من التحليلات تقيس قوة الدول بما تملكه من المال أو السلاح أو النفوذ، بينما يعلمنا القرآن أن هذه الأسباب، على أهميتها، لا تكفي وحدها لضمان البقاء إذا فقدت الأمة أسباب العدل والإصلاح، فالمؤمن يقرأ الواقع في ضوء السنن الربانية، ولا يجعل الواقع هو الذي يفسر القرآن.

وهنا يظهر الفرق بين القراءة السياسية والقراءة السننية؛ فالقراءة السياسية قد تقف عند موازين القوة الظاهرة، أما القراءة السننية فتسأل: هل تسير هذه الأمة وفق السنن التي جعلها الله سببًا للبقاء، أم أنها تستكمل أسباب الأخذ وهي لا تشعر؟

إن سنة الاستدراج ليست دعوة إلى انتظار سقوط أحد، ولا وسيلة لإسقاط الأحكام على الوقائع، وإنما هي دعوة إلى مراجعة النفس، وإلى عدم الاغترار بما في اليد من أسباب القوة؛ لأن القوة إذا انفصلت عن العدل والإصلاح قد تتحول، في ميزان السنن الربانية، من نعمة إلى فتنة، ومن سببٍ للبقاء إلى مقدمة للأخذ والهلاك.

وفي المقالة القادمة نقف مع سنةٍ أخرى من أعظم سنن القرآن، وهي سنة الإصلاح، لنتأمل لماذا جعل الله الإصلاح أعظم ضمانة لبقاء الأمم، ولماذا كانت أول وصية أوصى بها موسى عليه السلام أخاه هارون عند استخلافه: ﴿وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾.

admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *