مولاي إبراهيم العثماني.. من إصلاح المؤسسة إلى تعزيز إشعاع التعاضد المغربي : حصيلة من الإنجازات و رؤية متجددة لخدمة المنخرطين و الوطن .

مولاي إبراهيم العثماني.. من إصلاح المؤسسة إلى تعزيز  إشعاع التعاضد المغربي : حصيلة من الإنجازات و رؤية متجددة لخدمة المنخرطين و الوطن .
Oplus_131072

 

Oplus_131072

بقلم : أمين الحميدي

حين تتحول المسؤولية المؤسساتية إلى مشروع للإصلاح و التحديث، يصبح أثرها ملموساً في جودة الخدمات، و تقوية التضامن الاجتماعي، و توسيع آفاق التعاون الوطني و الدولي.

لم تعد تجربة التعاضدية العامة لموظفي الإدارات العمومية خلال السنوات الأخيرة مجرد مرحلة عادية في تدبير مؤسسة اجتماعية، بل أصبحت محطة تستحق الوقوف عندها بالقراءة و التحليل، بالنظر إلى ما شهدته من تحولات على مستوى تحديث البنيات، و توسيع شبكة الخدمات، و تعزيز الحضور الترابي، و الانفتاح على التجارب التعاضدية الدولية.

و منذ سنة 2021، تاريخ تولي السيد مولاي إبراهيم العثماني رئاسة المجلس الإداري للتعاضدية العامة لموظفي الإدارات العمومية، برز توجه جديد يقوم على إعادة تأهيل المؤسسة، و تطوير أدائها، و استعادة الثقة في أدوارها الاجتماعية و الصحية، من خلال رؤية إصلاحية استندت إلى مخطط استراتيجي خماسي للفترة 2021-2025.

و لعل أبرز ما يميز هذه التجربة هو الانتقال من منطق التدبير الإداري التقليدي إلى تصور أوسع يجعل المنخرط و ذوي حقوقه في صلب السياسات و الخدمات، و يعتبر التعاضدية مؤسسة للتضامن و الحماية الاجتماعية، و ليست مجرد إدارة لمعالجة الملفات و التعويضات.

### إصلاح مؤسساتي و توسيع غير مسبوق لخدمات القرب

لقد شكل تقريب الخدمات من المنخرطين أحد العناوين البارزة لهذه المرحلة، من خلال توسيع شبكة الوكالات، و إحداث أقطاب جهوية جديدة، و تعزيز اللامركزية و اللاتمركز الإداري، بما يسمح بتقليص المسافة بين المؤسسة و المرتفقين.

و تشير المعطيات المنشورة حول حصيلة المخطط الاستراتيجي إلى إحداث خمسة أقطاب جهوية جديدة، و افتتاح 33 وكالة لخدمات القرب، فضلاً عن تسجيل تقدم مهم في رقمنة المساطر و تطوير آليات معالجة الملفات، و هو ما يعكس توجهاً نحو مؤسسة أكثر قرباً و مرونة و استجابة لحاجيات منخرطيها.

كما أن معالجة مئات الآلاف من الملفات عبر وكالات القرب خلال سنة 2024 تعكس أهمية هذا التحول في تخفيف أعباء التنقل و الانتظار، خصوصاً بالنسبة للموظفين و المتقاعدين و ذوي الحقوق في المناطق البعيدة عن المراكز الإدارية الكبرى.

### تعزيز الحماية الاجتماعية و صون المكتسبات

و من بين الأوراش التي تستحق التوقف عندها، الإصلاحات المرتبطة بالخدمات الاجتماعية و التغطية الصحية التكميلية، باعتبارها من أكثر المجالات ارتباطاً بالحياة اليومية للموظفات و الموظفين و أسرهم.

فقد شهدت هذه المرحلة توجهاً نحو تحسين بعض التعويضات و الخدمات، و تطوير آليات التضامن الاجتماعي، و إعادة النظر في بعض المنح المرتبطة بالتقاعد و الوفاة، بما يعزز البعد الإنساني للعمل التعاضدي.

و من المؤشرات الدالة على هذا التوجه، ما أوردته المعطيات المنشورة بشأن رفع منحة التقاعد من 6.500 درهم إلى 35.000 درهم، و منحة الوفاة من 19.700 درهم إلى 50.000 درهم، إلى جانب تسوية مبالغ مالية لفائدة آلاف المنخرطين.

كما شكل الرفع من نسب التعويض عن مجموعة من الخدمات الطبية الأساسية ابتداء من يناير 2026، و توسيع الشراكات مع المؤسسات الصحية، خطوة إضافية في اتجاه تحسين الحماية الصحية التكميلية للمنخرطين و ذوي حقوقهم.

و هنا تكمن القيمة الحقيقية للإصلاح: ليس فقط في إحداث الوكالات أو إطلاق المشاريع، و إنما في أن يشعر المنخرط بأن المؤسسة حاضرة إلى جانبه عندما يحتاج إلى العلاج، أو يواجه ظرفاً اجتماعياً صعباً، أو يبحث عن حق من حقوقه.

### القوافل الطبية والعدالة المجالية.. التضامن الذي يصل إلى المواطن

لم يقتصر تطوير الخدمات على المكاتب و الوكالات، بل امتد إلى المبادرات الميدانية، وفي مقدمتها القوافل الطبية التي استهدفت عدداً من المناطق، و لاسيما الأقاليم الجنوبية، حيث استفاد منها آلاف المواطنين من خدمات طبية متعددة، شملت طب العيون و الأسنان و الكشف المبكر عن الأمراض المزمنة.

و تبرز أهمية هذه المبادرات في كونها تجعل العمل التعاضدي يتجاوز حدوده الإدارية التقليدية، ليصبح رافعة للتضامن المجتمعي، ومساهمة فعلية في تقليص الفوارق المجالية في الولوج إلى الخدمات الصحية.

كما أن إحداث وحدات إدارية و صحية و اجتماعية، من بينها الوحدة التي دشنت بمدينة طانطان في أبريل 2025، يعكس توجهاً نحو جعل الخدمات الصحية و الاجتماعية أقرب إلى المواطنين، بما ينسجم مع مبادئ العدالة المجالية و تكافؤ الفرص.

### من الدبلوماسية التعاضدية إلى الدبلوماسية الموازية.. إشعاع مغربي خارج الحدود

لعل أحد أهم أوجه التميز في تجربة مولاي إبراهيم العثماني يتمثل في توسيع أفق العمل التعاضدي، و عدم حصره في التدبير الداخلي للمؤسسة، بل الانتقال به إلى فضاء التعاون الإفريقي و الدولي.

فقد استطاع المغرب، من خلال الحضور الفاعل للتعاضديات المغربية في الهيئات القارية و الدولية، تعزيز موقعه داخل منظومة التعاضد العالمي، و تقديم تجربته في مجال الحماية الاجتماعية و التغطية الصحية باعتبارها تجربة تستحق التبادل و التقاسم و الاستفادة منها.

و يكتسي انتخاب مولاي إبراهيم العثماني، بتاريخ 3 نونبر 2022، نائباً لرئيس الاتحاد العالمي للتعاضد مكلفاً بالقارة الإفريقية، أهمية خاصة، بالنظر إلى ما يحمله من اعتراف بمكانة التجربة المغربية داخل المحافل التعاضدية الدولية.

كما أن رئاسته للاتحاد الإفريقي للتعاضد ساهمت في تعزيز حضور المغرب داخل فضاء التعاون جنوب-جنوب، و فتح آفاق جديدة لتبادل الخبرات و التجارب في مجالات الحماية الاجتماعية و التأمين الصحي و التضامن المؤسساتي.

إن هذا الحضور لا ينبغي اختزاله في مجرد مناصب تمثيلية أو مشاركات في مؤتمرات دولية، بل يتعين النظر إليه باعتباره شكلاً من أشكال الدبلوماسية الموازية، التي تضطلع بها المؤسسات المدنية و الاجتماعية و المهنية، من خلال بناء جسور التواصل، و تقديم صورة إيجابية عن التجربة المغربية، و الدفاع عن المصالح الوطنية في فضاءات التعاون الدولي.

فالدبلوماسية الموازية لا تمارس فقط عبر اللقاءات السياسية و الرسمية، و إنما تتجسد أيضاً في إشعاع المؤسسات الوطنية، و قدرتها على نقل التجارب المغربية الناجحة، و توسيع شبكات الشراكة، و تعزيز الثقة المتبادلة بين الفاعلين و المؤسسات عبر العالم.

و من هذا المنطلق، فإن الدبلوماسية التعاضدية التي يسهم المغرب في تطويرها تمثل امتداداً للدبلوماسية الوطنية، و أداة من أدوات خدمة صورة المملكة و مكانتها، تحت القيادة الملكية، من خلال القوة الناعمة و التعاون المؤسساتي و التضامن الإنساني.

### التعاضد المغربي.. قوة جماعية تتجاوز حدود المؤسسات

إن الحديث عن حصيلة التعاضدية العامة لموظفي الإدارات العمومية لا ينبغي أن ينفصل عن السياق الأوسع الذي يعرفه التعاضد المغربي، باعتباره مكوناً أساسياً من مكونات منظومة الحماية الاجتماعية الوطنية.

فالتحديات المرتبطة بتعميم الحماية الاجتماعية، و تطوير التغطية الصحية، و الحفاظ على المكتسبات، تفرض اليوم تعزيز التنسيق بين مختلف التعاضديات المغربية، و توحيد الرؤى بشأن مستقبل هذا القطاع، و تقوية حضوره داخل النقاش العمومي و المؤسساتي.

و قد شكلت اللقاءات و المشاورات مع الفاعلين في القطاع التعاضدي مناسبة للدفاع عن المكتسبات التاريخية، و الترافع من أجل اعتماد مقاربة تشاركية في الإصلاحات التشريعية و التنظيمية المرتبطة بالتغطية الصحية و التأمين الإجباري عن المرض.

و هو ما برز كذلك خلال أشغال المجلس الإداري للتعاضدية العامة في دجنبر 2024 ، حين جرى التأكيد على ضرورة الحفاظ على مكتسبات المنخرطين، و إشراك التعاضديات في صياغة الإصلاحات التي تهم مستقبل القطاع.

و هنا تبرز أهمية العمل المؤسساتي الجماعي، لأن قوة التعاضد المغربي لا تقاس فقط بإمكانيات كل مؤسسة على حدة، بل بقدرته على بناء منظومة متكاملة، قوامها التضامن و التعاون و تبادل الخبرات و الدفاع عن الحقوق و المكتسبات.

### قيادة المؤسسات.. مسؤولية و إنصات و استمرارية

إن تقييم أي تجربة تدبيرية يقتضي، إلى جانب رصد الإنجازات و المشاريع، الوقوف عند طبيعة العلاقة بين القيادة المؤسساتية و الموارد البشرية، باعتبارها عنصراً محورياً في نجاح الإصلاح.

و من المبادرات التي جرى إبرازها في تجربة التعاضدية العامة تنظيم لقاءات للاستماع إلى الأطر و المستخدمين و الإنصات إلى انشغالاتهم وتظلماتهم، بما يعزز الحوار الداخلي و يكرس ثقافة التواصل و المسؤولية المشتركة.

غير أن الرهان المستقبلي يظل مرتبطاً بمواصلة تطوير الموارد البشرية، و تحسين ظروف العمل، و تكافؤ الفرص، و تثمين الكفاءات، وتعزيز الشفافية و الحكامة، حتى يكون الإصلاح شاملاً لا يقتصر على الواجهة الخدماتية للمؤسسة، بل يمتد إلى بنيتها الداخلية أيضاً.

### الرهان المقبل.. الانتقال من تراكم الإنجازات إلى صناعة نموذج تعاضدي مستدام

إن ما تحقق خلال السنوات الماضية يشكل أرضية مهمة للبناء عليها، لكنه لا يعفي من استحضار التحديات المقبلة، و في مقدمتها مواصلة تحسين آجال معالجة الملفات و التعويضات، و تجويد الخدمات الطبية، و تعزيز الرقمنة، و توسيع شبكة المؤسسات الصحية، و ضمان استدامة التوازنات المالية و الاجتماعية.

كما أن المرحلة المقبلة تستدعي تعزيز التنسيق بين التعاضديات المغربية، و تطوير الشراكات الإفريقية و الدولية، و تحويل الحضور الخارجي إلى نتائج ملموسة تنعكس على جودة الخدمات المقدمة للمنخرطين.

فالمؤسسات الاجتماعية لا تقاس فقط بما راكمته من إنجازات، و إنما أيضاً بقدرتها على الاستمرار والتجدد و الاستجابة للتحولات الاجتماعية و الاقتصادية و الصحية.

### خاتمة: حين يخدم العمل التعاضدي المواطن و الوطن معاً

إن تجربة السيد مولاي إبراهيم العثماني على رأس المجلس الإداري للتعاضدية العامة لموظفي الإدارات العمومية تقدم نموذجاً لتداخل الإصلاح المؤسساتي مع العمل الاجتماعي و التعاون الدولي، حيث تلتقي خدمة المنخرطين مع تعزيز مكانة التعاضد المغربي و إشعاعه خارج الحدود.

و إذا كانت الوكالات و القوافل الطبية و الشراكات الصحية و تطوير التعويضات تمثل وجهاً من أوجه هذه التجربة، فإن الحضور الإفريقي و الدولي يمثل وجهاً آخر لا يقل أهمية، بالنظر إلى دوره في التعريف بالتجربة المغربية و توسيع دوائر التعاون و الترافع المؤسساتي.

إن الدفاع عن كرامة الموظف، و صيانة حقوق المتقاعدين، وتحسين الخدمات الصحية و الاجتماعية للأسر، ليست مجرد أهداف قطاعية، بل هي جزء من بناء الدولة الاجتماعية التي تجعل الإنسان في صلب السياسات العمومية.

و من هنا، فإن الرهان الحقيقي ليس فقط في الاحتفاء بما تحقق، و إنما في تحويل هذه المكتسبات إلى مسار مؤسساتي مستدام، يضمن استمرارية الإصلاح، و يعزز الثقة، و يجعل التعاضدية العامة و التعاضد المغربي عموماً نموذجاً في التضامن و الحكامة والإشعاع الوطني و الدولي.

فحين تنجح المؤسسة في خدمة منخرطيها، و تنجح في الوقت ذاته في تمثيل وطنها و إبراز تجربته أمام العالم، فإنها تكون قد تجاوزت حدود وظيفتها الاجتماعية لتصبح شريكاً في التنمية، و رافعة من روافع الدبلوماسية الموازية و خدمة المصالح العليا للمملكة المغربية.

admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *