*جيل Z بين المطالبة بالحقوق والقمع: الأبعاد النفسية والاجتماعية للمواجهة مع السلطة

يُعتبر جيل Z من أبرز الأجيال التي فرضت حضورها بقوة في المشهد الاجتماعي والسياسي الراهن. هذا الجيل الذي وُلد في أواخر التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، تَشرَّب القيم الرقمية منذ طفولته، وأصبح أكثر ارتباطاً بالعالم الخارجي بفضل الثورة التكنولوجية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي. هذا الواقع منحهم وعياً غير مسبوق بحقوقهم، وجرأة في التعبير عن مطالبهم، وفتح أمامهم آفاقاً جديدة للتواصل والمشاركة في القضايا المجتمعية والسياسية.
ورغم هذا الوعي المتزايد، يواجه جيل Z واقعاً يطغى عليه غياب المسؤولين عن الاستجابة الجادة لمطالبه. فالغياب هنا لا يقتصر على مستوى السلطة أو المؤسسات، بل يمتد إلى ضعف آليات الحوار، غياب الاستماع الفعلي، وعدم القدرة على تقديم حلول ملموسة. هذا الواقع يولّد لدى الشباب شعوراً بالإحباط واللاجدوى، ويؤثر مباشرة على صحتهم النفسية. الإحباط المزمن الناتج عن التجاهل المؤسساتي يمكن أن يؤدي إلى مشاعر اكتئابية، قلق مستمر، اضطرابات في النوم، وانخفاض تقدير الذات، مما يجعل الشباب أكثر عرضة للتوتر النفسي والاجتماعي ويؤثر على قدرتهم على المشاركة الفاعلة في المجتمع.
إنّ الاحتجاج في أصله ممارسة سلمية حضارية تهدف إلى التعبير الجماعي عن الحقوق والمطالب. غير أنّ غياب الاستجابة الجادة، أو الاكتفاء بالتعامل الأمني، يحوّل هذا الفعل من سلمية إلى عنيفة. الانتقال من الاحتجاج السلمي إلى سلوك عدواني ليس نتيجة طبيعية للشباب، بل هو انعكاس لتراكم الإحباطات وانغلاق قنوات الحوار. هذا التحول يمكن تفسيره من خلال آلية “الإحباط-العدوان”، حيث يتحول الغضب المكبوت إلى ردود فعل قد تتخذ طابع المواجهة مع السلطة.
الساحات العامة تصبح في كثير من الأحيان مسرحاً لمواجهة غير متوازنة بين الشرطة والشباب. الشرطة تمثل السلطة الصلبة للدولة، بينما يمثل الشباب القوة الاجتماعية التي تطالب بالتغيير. هذا الصدام يعيد إنتاج ثنائية “نحن” مقابل “هم”، حيث ينظر كل طرف إلى الآخر باعتباره خصماً، ويزداد التوتر بفعل انتشار الصور والفيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي التي توثق مشاهد العنف والقمع، فتزيد من شعور الاستياء والغضب، وتعمّق الضغط النفسي لدى الشباب، الذين يعيشون في حلقة من التوتر والخوف المستمر.
التأثير النفسي لهذه المواجهات يمتد إلى العلاقات الاجتماعية، الأداء الأكاديمي أو المهني، ومستوى المشاركة المدنية. فالانكشاف المستمر على التجاهل أو القمع يولّد شعوراً بالعزلة والانفصال عن المجتمع، وقد يدفع بعض الشباب إلى الانسحاب أو مقاومة رمزية عبر وسائل التواصل الرقمي، أحياناً بطرق قد تكون غير بنّاءة، مع انعكاسات واضحة على الصحة النفسية العامة، بما يشمل التوتر المزمن والقلق والاكتئاب.
التحدي الحقيقي لا يكمن في كبح الاحتجاجات أو قمعها، بل في القدرة على استثمارها كإشارة لحيوية المجتمع وفاعلية الشباب. جيل Z لا يثور من أجل الفوضى، بل يسعى لتحقيق مطالب ملموسة تمس حياته اليومية مثل الحق في التعليم الجيد، التشغيل، العدالة الاجتماعية، والشفافية السياسية. إعادة بناء الثقة بين الشباب والمؤسسات عبر سياسات إدماجية، وحوار فعّال، وتشاركية حقيقية، هو السبيل الأمثل لتحويل هذه الطاقة إلى طاقة بنّاءة، وحماية صحة الشباب النفسية، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.
جيل Z ليس جيلاً متمرداً بطبعه، بل هو جيل يرفض التهميش ويبحث عن الاعتراف والكرامة. رفضه للامبالاة ليس علامة ضعف، بل انعكاس لرغبة حقيقية في العيش بكرامة في مجتمع عادل. السؤال المطروح إذن ليس: كيف نُسكت أصوات الاحتجاج؟ بل: كيف نحول هذه الأصوات إلى طاقة إيجابية لبناء مجتمع أكثر استقراراً وإنصافاً، مع مراعاة الأثر النفسي الذي يتركه القمع على الشباب؟
على المدى البعيد، يمتلك جيل Z القدرة على أن يصبح قوة حقيقية للتغيير الاجتماعي والسياسي. بفضل أدواته الرقمية، وعقليته النقدية، واستعداده للمشاركة، يمكنه ابتكار حلول للتحديات الاقتصادية والاجتماعية، والمساهمة في بناء مجتمع أكثر عدلاً وتوازناً. استثمار طاقاته وتحويل وعيه النقدي إلى عمل بنّاء سيجعل المجتمع أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الأزمات، مع تعزيز التلاحم الاجتماعي وصحة الشباب النفسية.
مع اقتراب كأس العالم وكون البلاد على أعتاب حدث عالمي يترقبه العالم بأسره، تصبح هذه الاحتجاجات والتوترات الاجتماعية أكثر حساسية. أي مواجهة بين الشباب والسلطة، أو انتقال المطالب السلمية إلى أعمال عنف، لا تؤثر فقط على الشباب أنفسهم وصحتهم النفسية، بل تترك أيضاً انعكاسات سلبية على صورة المغرب دولياً. فالاستعداد لمثل هذه الأحداث يتطلب وحدة وطنية، استقراراً اجتماعياً، وانضباطاً مؤسساتياً، في حين أن استمرار الاحتجاجات والصدامات يعكس ضعف الحوار المؤسساتي ويزيد من القلق حول قدرة البلاد على تقديم صورة إيجابية أمام العالم. من هنا، تصبح الحاجة ملحة لإيجاد حلول عاجلة وحوارية تسمح للشباب بالتعبير عن مطالبهم بشكل سلمي وبنّاء، مع الحفاظ على صورة الوطن واستقراره، لضمان أن يكون الحدث العالمي فرصة لإبراز قوة المجتمع المغربي وتلاحمه لا مصدر للانتقاد والإحباط.
في الختام، التحول من المطالبة السلمية إلى المواجهة مع السلطة هو نتيجة طبيعية لغياب الإصغاء وغياب المسؤولية. كلما استمر هذا الغياب، كلما اتسعت الهوة بين الشباب والدولة، وزاد احتمال الصدامات، مع انعكاسات نفسية واجتماعية واضحة. الحل يكمن في الاعتراف بشرعية مطالب جيل Z، والانتقال من منطق القمع إلى منطق الإصلاح، مع تعزيز الصحة النفسية للشباب وحمايتهم من الضغوط. المستقبل لا يُبنى بالهراوات أو الإنكار، وإنما بالحوار، الشراكة، والاحترام المتبادل، لأن المجتمعات التي تنصت لشبابها هي المجتمعات القادرة على مواجهة تحديات الغد وبناء مستقبل مستقر وعادل.
*جيل Z بين المطالبة بالحقوق والقمع: الأبعاد النفسية والاجتماعية للمواجهة مع السلطةبقلم يوسف باجا اخصائي نفسي ومعالج نفسي

