الأسود تحت المجهر: دراسة إكلينيكية سوسيولوجية في أثر “التنمر الرقمي” على الأداء الرياضي لنجوم المنتخب المغربي بقلم: يوسف باجا (أخصائي نفسي ومعالج نفسي إكلينيكي)

الأسود تحت المجهر: دراسة إكلينيكية سوسيولوجية في أثر “التنمر الرقمي” على الأداء الرياضي لنجوم المنتخب المغربي بقلم: يوسف باجا (أخصائي نفسي ومعالج نفسي إكلينيكي)


تعد مباراة كرة القدم في السياق المغربي المعاصر ظاهرة سوسيولوجية شاملة تتجاوز حدود الزمن الرياضي الضيق، إذ يتحول فيها اللاعب بمجرد ارتدائه قميص المنتخب من رياضي محترف إلى حامل للرأسمال الرمزي للهوية الوطنية ومرآة لطموحات شعب بأكمله، هذا الارتباط الوجداني العميق يجعل من المستطيل الأخضر ساحة لتفريغ الانفعالات الجماعية، لكن مع صعود الطفرة الرقمية الهائلة، لم يعد الميدان هو الساحة الوحيدة للمواجهة، بل امتدت المنافسة إلى الفضاء الافتراضي الذي بات يمارس سلطة رقابية شرسة، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي بمثابة مختبرات للنقد القاسي الذي يفتقر أحياناً لأدنى معايير الدعم.

ومن منظور علم النفس الإكلينيكي، فإن ما يتعرض له اللاعب المغربي من موجات انتقاد تتجاوز النقد التقني لتصل إلى حد التنمر الممنهج، يشكل ضغطاً نفسياً حاداً يؤدي إلى ما يُعرف بـ “جرح النرجسية” (Narcissistic Injury)؛ والمقصود هنا ليس الغرور بمفهومه السلبي، بل هو تصدع “الأنا” وتشويه الصورة الذاتية التي يبنيها اللاعب عن نفسه كبطل قومي وممثل لوطنه، فعندما يتحطم هذا التقدير تحت وطأة “الاغتيال الرمزي” (Symbolic Annihilation) الذي يمارسه الجمهور خلف الشاشات عبر الحط من قيمة اللاعب وتاريخه، يجد اللاعب نفسه مجرداً من قيمته المعنوية، مما يسبب شللاً في الإبداع الكروي وتراجعاً في الثقة بالنفس التي هي المحرك الأساسي للأقدام. هذا الضغط النفسي ينعكس مباشرة على ما نسميه بـ “حالة التدفق الذهني” (Flow State)، وهي تلك الحالة النفسية المثالية التي يكون فيها اللاعب في ذروة تركيزه ومنسجماً مع الكرة بتلقائية تامة دون تفكير إرادي معطل، لكن التنمر الرقمي يقطع هذا الانسياب ويجعل اللاعب في حالة ترقب دائم للخطأ، مما يحول اللعب من متعة فطرية إلى “عبء وجودي” مخيف.

وتتجلى حدة هذه الظاهرة سوسيولوجياً في انقسام الرأي العام حول اختيارات المدرب، كما هو الحال في الجدل القائم حول استبعاد النجم “حكيم زياش”؛ إذ يتحول غياب نجم بهذا الثقل من قرار فني إلى قضية رأي عام تثير مشاعر “الحرمان العاطفي” لدى الجمهور، مما يولد ما يعرف بـ “قلق التقييم المقارن” (Comparative Evaluation Anxiety). في هذه الحالة، يجد اللاعب البديل نفسه يواجه “شبح اللاعب الغائب” في مخيلة الجماهير؛ فهو لا ينافس الخصم فوق العشب فحسب، بل ينافس صورة ذهنية مثالية ومقدسة لزياش، مما يجعله يشعر أن أداءه لن يكون كافياً أبداً مهما بلغت جودته، لأن الجمهور لا يقارنه بالواقع الملموس بل بذكريات عاطفية منتقاة للنجم الغائب، وهذا التوتر يقلل من سرعة اتخاذ القرار ويؤدي إلى التردد القاتل في اللحظات التي تتطلب جسارة وإقداماً.

وتزداد خطورة هذا الوضع سيكولوجياً عندما يلعب المنتخب داخل الديار، فمن الناحية العلمية الفيزيولوجية، يُفترض أن تمكن اللاعبين من “الأرض والمناخ” (Home Advantage) يمثل عامل دعم هرموني قوي، كونه يمنحهم الشعور بالأمان والاحتواء بين “أبناء الدار” المعتادين على تشجيعهم. لكن، حينما يتحول المدرج من مصدر للدعم إلى منصة لصافرات الاستهجان، يحدث ما نطلق عليه “الارتباك السيكو-فيزيولوجي” (Psycho-physiological Confusion)؛ إذ يتوقع العقل الأمان والاحتضان في بيئته المألوفة فيصطدم بـ “غربة نفسية” حادة داخل وطنه، مما يرفع مستويات الكورتيزول (هرمون الإجهاد) ويخفض السيروتونين، فيتحول الامتياز المكاني إلى ثقل نفسي يعطل الجهاز العصبي للاعب ويجعل حركاته متشنجة وغير دقيقة وتفكيره مشتتاً بين مجريات اللعب وبين ردود فعل المدرجات. إن هذا الاندفاع العاطفي الزائد للجماهير، رغم كونه نابعاً من حب قميص الوطن، قد يسيء لسمعة المغرب الدولية ويقوض “قوته الناعمة” التي بنيت بجهد كبير في المحافل العالمية، لذا فإن المسؤولية تحتم علينا اليوم إرساء قيم “تمغربيت” القائمة على الاحترام والوفاء، وتفهم أن كرة القدم تظل في جوهرها لعبة تخضع لمنطق الربح والخسارة، وأن حماية الصحة النفسية لأسودنا هي الضمانة الوحيدة لاستمرار تألقهم، لتبقى الكرة وسيلة للوحدة الوطنية لا أداة للهدم النفسي والتدمير المعنوي لأبنائنا الذين يمثلون الراية الوطنية في كل بقاع العالم.

admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *