من الإبداع إلى “الاستنساخ”: ديكور مشترك يكشف أزمة التلفزيون العمومي.

من الإبداع إلى “الاستنساخ”: ديكور مشترك يكشف أزمة التلفزيون العمومي.

 

 

متابعة

في زمن تتسابق فيه القنوات التلفزيونية عبر العالم على ترسيخ هويات بصرية متميزة، قائمة على الابتكار و التجديد، يبدو أن جزءًا من الإعلام العمومي المغربي يسير في اتجاه معاكس، يختزل الإبداع في إعادة تدوير نفس القوالب، و يُفرغ الإنتاج الداخلي من قيمته الرمزية والمهنية.

المفارقة الصارخة تتجلى في بث برنامجين مختلفين على قناتين تابعتين لنفس المؤسسة، لكنهما يتقاسمان نفس الديكور، بنفس التفاصيل تقريبًا، و كأن الأمر يتعلق بنسخة طبق الأصل لا باجتهادين إعلاميين منفصلين. هذا التشابه لا يمكن اعتباره مجرد صدفة تقنية أو خيارًا إنتاجيًا عابرًا، بل يطرح تساؤلات عميقة حول تصور المؤسسة لدور الإنتاج الداخلي، و مدى احترامها لذكاء المشاهد المغربي.

إن الديكور في العمل التلفزيوني ليس عنصرًا ثانويًا أو تفصيلاً يمكن التغاضي عنه، بل هو جزء أساسي من هوية البرنامج، يساهم في بناء شخصيته و تمييزه عن غيره. وعندما يتم اختزال هذا البعد في “حلول جاهزة”، فإن الرسالة الضمنية التي تصل إلى الجمهور هي أن التميز لم يعد أولوية، و أن الحد الأدنى من الجهد كافٍ لملء الشبكة البرامجية.

الأخطر من ذلك، أن هذا النمط من التدبير يعزز الانطباع السائد بأن الإنتاج الداخلي يخضع لسياسة تقشف غير معلنة، تُضعف إمكانياته و تحد من جاذبيته، في مقابل فسح المجال أمام الإنتاجات الخارجية التي تُرصد لها ميزانيات أكبر، و تُقدَّم غالبًا في صورة أكثر احترافية. وهنا يتحول الخلل من مجرد اختيار تقني إلى توجه استراتيجي يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص داخل المنظومة الإنتاجية.

إن إعادة استعمال نفس الديكور لبرنامجين مختلفين لا يعكس فقط غياب الإبداع، بل يكشف عن أزمة في تدبير الموارد، و غياب رؤية واضحة لتطوير المحتوى. كما أنه يضعف ثقة المشاهد، الذي لم يعد ذلك المتلقي السلبي، بل أصبح أكثر وعيًا و قدرة على المقارنة، خاصة في ظل الانفتاح الواسع على القنوات و المنصات الدولية.

الإعلام العمومي، بحكم تمويله و وظيفته، مطالب أكثر من غيره بالارتقاء بالذوق العام، لا بتكريس الرداءة أو تبريرها. و من هذا المنطلق، فإن ما يحدث لا يمكن اختزاله في خطأ بسيط، بل هو مؤشر على اختلال أعمق يستدعي المراجعة و المساءلة.

إن الرهان الحقيقي اليوم ليس فقط في إنتاج برامج جديدة، بل في إنتاج معنى جديد يحترم المشاهد، و يستثمر في ذكائه، و يعيد الاعتبار لفكرة أن التلفزيون العمومي فضاء للإبداع لا لإعادة التدوير.

admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *