الإعلام العمومي المغربي بعد 25 سنة: عندما لا تكفي الميزانيات لصناعة إعلام قوي .

الإعلام العمومي المغربي بعد 25 سنة: عندما لا تكفي الميزانيات لصناعة إعلام قوي
عرف قطاع الإعلام العمومي بالمغرب، خلال الخمسة و العشرين سنة الماضية، واحدة من أكبر مراحل الإنفاق العمومي في تاريخه، حيث ارتفعت الميزانيات المخصصة للمؤسسات الإعلامية العمومية بشكل ملحوظ، سواء عبر الدعم المباشر من الدولة أو عبر عائدات الإشهار و الاستثمارات في البنيات التحتية و التجهيزات التقنية. وكان الرهان واضحاً: بناء إعلام عمومي حديث، مستقل، تنافسي، قادر على مواكبة التحولات الرقمية، و خدمة المواطن، و تعزيز صورة المغرب داخلياً و خارجياً.
غير أن الحصيلة، بعد ربع قرن من التدبير، تفرض طرح سؤال جوهري: **هل نجح الإعلام العمومي في تحقيق الأهداف التي خُصصت من أجلها هذه الموارد المالية؟**
إن تقييم أي سياسة عمومية لا يتم بحجم الأموال التي أُنفقت، بل بحجم النتائج التي تحققت. و من هذا المنطلق، يصعب الحديث عن نجاح حقيقي لقطاع ما زال يعاني من أزمة ثقة مع جمهوره، ومن ضعف في جاذبية مضامينه، و من تراجع تأثيره أمام القنوات الأجنبية و المنصات الرقمية التي أصبحت الوجهة الأولى لعدد كبير من المغاربة.
لقد ارتفعت الميزانيات، لكن ذلك لم ينعكس بالقدر المأمول على جودة الخدمة العمومية. فبدل أن تتحول هذه الإمكانيات إلى استثمار استراتيجي في الرأسمال البشري، و في الابتكار، وفي تطوير الأخبار و البرامج الوثائقية و الثقافية و العلمية، يرى عدد من المتابعين أن جزءاً مهماً منها وُجه إلى صفقات إنتاج و برامج أثارت نقاشاً واسعاً حول جدواها و جودتها ومدى انسجامها مع رسالة الإعلام العمومي.
و لسنوات طويلة، تكررت الانتقادات الموجهة إلى بعض الإنتاجات التلفزية بسبب ضعف المستوى الفني، وغياب الإبداع، و تكرار الوجوه نفسها، و افتقاد كثير من البرامج إلى القيمة المضافة. كما لم تنجح هذه الإنتاجات، في نظر منتقديها، في استقطاب نسب مشاهدة مستقرة أو استعادة ثقة الجمهور، الذي أصبح يتجه بشكل متزايد نحو المنصات الرقمية و القنوات الأجنبية بحثاً عن محتوى أكثر جودة و تنوعاً.
لكن أزمة الإعلام العمومي ليست أزمة مضامين فقط، بل هي أيضاً أزمة **حكامة**.
فالإعلام العمومي لا يمكن أن يتطور في ظل منظومة تدبير يغيب عنها التقييم الدوري للنتائج، و ضعف تجديد النخب الإدارية، و استمرار أساليب تقليدية في التسيير لا تواكب التحولات التي يعرفها العالم. إن المؤسسة الإعلامية، مهما بلغت إمكانياتها المالية، لا تستطيع تحقيق أهدافها إذا غابت عنها رؤية استراتيجية واضحة، و ربط حقيقي بين المسؤولية و المحاسبة.
و من أبرز مظاهر هذا الخلل، استمرار حالة الاحتقان الاجتماعي داخل القطاع. فقد شهدت السنوات الأخيرة عدداً من الاحتجاجات و الإضرابات التي خاضتها الشغيلة الإعلامية للمطالبة بتحسين أوضاعها المهنية و الاجتماعية، و توفير شروط عمل أكثر إنصافاً، وتمكينها من حقوقها في التكوين و التكوين المستمر.
و في الوقت الذي أصبحت فيه التكنولوجيا تتغير بوتيرة متسارعة، لا يزال عدد من العاملين يطالبون ببرامج تكوين حقيقية تمكنهم من مواكبة التطورات في مجالات الإنتاج الرقمي، والذكاء الاصطناعي، و الصحافة متعددة الوسائط، و تقنيات البث الحديثة. فالمورد البشري هو أساس أي مشروع إعلامي ناجح، و أي إهمال لهذا الجانب ينعكس مباشرة على جودة المنتوج الإعلامي.
كما أن الأحداث الوطنية و الدولية الكبرى كشفت، في نظر عدد من المهنيين، عن محدودية جاهزية المنظومة في بعض المناسبات، سواء من حيث سرعة الانتشار، أو توظيف الإمكانيات التقنية، أو القدرة على تقديم تغطيات تضاهي ما تقدمه المؤسسات الإعلامية الدولية. و هذا يطرح سؤالاً مشروعاً حول مدى نجاعة الاستثمار في التجهيزات إذا لم يصاحبه استثمار مماثل في الكفاءات و التخطيط والتدبير.
إن العالم يعيش اليوم ثورة إعلامية غير مسبوقة. ولم تعد المنافسة بين القنوات التلفزية فقط، بل أصبحت مع المنصات الرقمية العالمية، و مع المؤسسات الإعلامية التي تنتج المحتوى بسرعة و جودة واحترافية. لذلك فإن استمرار الإعلام العمومي في العمل بالعقلية نفسها التي كانت سائدة قبل عقدين أو ثلاثة عقود لن يمكنه من استعادة مكانته.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن نجاح الإعلام العمومي لا يتحقق بكثرة الإنفاق، وإنما بحسن توظيف الموارد، و الاستقلالية التحريرية، وجودة الحكامة، و الاستثمار في الإنسان، وتشجيع الإبداع، و إنتاج محتوى يحترم ذكاء المشاهد و يعكس تنوع المجتمع.
و اليوم، تبدو الحاجة ملحة إلى إطلاق إصلاح عميق و شجاع لقطاع الإعلام العمومي، إصلاح لا يقتصر على تعديل بعض النصوص أو تغيير الهياكل، بل يمتد إلى مراجعة شاملة لمنظومة الحكامة، و اعتماد معايير الكفاءة و الاستحقاق في تقلد المسؤوليات، وضخ دماء جديدة في مراكز القرار، وإرساء ثقافة التقييم وربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تصبح المصلحة العامة فوق كل اعتبار، وعندما يتحول الإعلام العمومي إلى فضاء للإبداع، لا إلى مجرد مؤسسة تستهلك الميزانيات دون أن تحقق الأثر المنتظر.
فبعد خمسة وعشرين عاماً من التدبير، لم يعد السؤال: **كم أنفقنا؟** بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: **ماذا حققنا؟**
و إذا كانت الإجابة لا تزال دون مستوى تطلعات المغاربة، فإن المرحلة المقبلة تستوجب إرادة سياسية ومؤسساتية حقيقية لإعادة بناء إعلام عمومي قوي، مستقل، حديث، قادر على كسب ثقة المواطن، و مواكبة التحولات الوطنية و الدولية، و خدمة الصالح العام بكفاءة و مسؤولية.

