حين يرفع شباب المغرب شارة النصر على شاطئ سبتة… فمن الذي هُزم؟

حين يرفع شباب المغرب شارة النصر على شاطئ سبتة… فمن الذي هُزم؟

 

 

بقلم: نعيم بوسلهام

لم تكن الشابتان المغربيتان اللتان ظهرتا مبتسمتين على شاطئ سبتة تحتفلان بميدالية أولمبية، ولم تكونا قد حققتا إنجازًا رياضيًا يستحق التصفيق. كانتا تحتفلان، في اعتقادهما، بالنجاة من واقع دفَعهما إلى خوض سباق مع الأمواج، حيث كان الغرق احتمالًا قائمًا، فيما كان الوصول إلى الضفة الأخرى يعني ولادة جديدة.

إنها صورة تختصر مأساة وطن بأكمله.
حين يصبح الوصول سباحة إلى مدينة محتلة مناسبة لرفع شارة النصر، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح نفسه ليس: كيف وصل هؤلاء؟ بل: ماذا حدث حتى أصبح الهروب هو الحلم، وأصبح البحر أكثر رحمة من اليابسة؟
لقد حاولت الحكومة، بقيادة عزيز أخنوش، أن تقدم صورة عن مغرب يعيش على وقع الأوراش الكبرى، والاستثمارات الضخمة، والدولة الاجتماعية، والنمو الاقتصادي. لكن الصور القادمة من شواطئ الفنيدق وسبتة تقدم رواية أخرى، أكثر قسوة، يكتبها الشباب بأجسادهم لا بالكلمات.
إن هؤلاء لا يقرأون تقارير المؤسسات الرسمية، ولا تعنيهم البلاغات الحكومية، ولا يقيسون حياتهم بالمؤشرات الاقتصادية. إنهم يقيسونها بما يجدونه في واقعهم اليومي: فرصة عمل مفقودة، تعليم يفقد قدرته على صناعة المستقبل، خدمات صحية متعثرة، غلاء معيشة يلتهم القدرة الشرائية، وشعور متزايد بأن الصعود الاجتماعي أصبح استثناءً لا قاعدة.
عندما تتحول الهجرة إلى مشروع جماعي، فإن الأمر لم يعد يتعلق بقرار فردي، بل بحكم اجتماعي قاسٍ على فعالية السياسات العمومية. فالدول التي تنجح في بناء الأمل لا يهرب شبابها جماعات نحو المجهول، ولا يلقون بأنفسهم في البحر وهم يعلمون أن الموت يسبق النجاة بخطوة واحدة.
إن أخطر ما تكشفه هذه المشاهد ليس عدد الذين عبروا، وإنما عدد الذين أصبحوا مستعدين للمخاطرة بحياتهم. فحين يصبح الموت احتمالًا مقبولًا، لأن الحياة كما تُعاش تبدو أكثر قسوة، فإننا لا نكون أمام أزمة هجرة، بل أمام أزمة ثقة عميقة بين المواطن والدولة.
ولعل المفارقة الأكثر إيلامًا أن المغرب ينفق مليارات الدراهم على البنيات التحتية والمشاريع الكبرى، ويحقق مكاسب دبلوماسية ورياضية معتبرة، لكنه لا يستطيع أن يقنع آلاف الشباب بأن مستقبلهم يوجد داخل وطنهم. فلا قيمة لأي إنجاز حين يشعر المواطن أن نصيبه منه لا يتجاوز مشاهدته على شاشة التلفزيون.
إن تكرار هذه المآسي يفرض مساءلة سياسية حقيقية للحصيلة الحكومية. فالمسؤولية السياسية لا تعني أن الحكومة مسؤولة عن كل قرار فردي بالهجرة، لكنها مسؤولة عن مدى نجاح أو فشل السياسات العمومية في خلق بيئة تمنح الشباب أسبابًا للبقاء. وعندما تتكرر مشاهد الهروب الجماعي، فإن ذلك يستوجب مراجعة عميقة لأولويات السياسات الاقتصادية والاجتماعية، بدل الاكتفاء بخطابات الإنجاز.
لقد أصبح البحر، بالنسبة إلى كثير من الشباب، استفتاءً مفتوحًا على الواقع المغربي. وكل جسد يعبر المياه سباحة يحمل رسالة واحدة: لقد فقدنا الثقة في أن المستقبل ينتظرنا هنا.
هذه الرسالة أخطر من أي تقرير اقتصادي، وأبلغ من أي خطاب سياسي، لأنها تُكتب بالمجازفة بالحياة.
أما ابتسامة الشابتين، فلا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها ابتسامة فرح، بل بوصفها ابتسامة احتجاج. احتجاج على واقع جعل الهروب إنجازًا، وجعل النجاة من البحر تبدو أسهل من النجاة من الإحباط.
إن الدول لا تُهزم عندما يعبر مواطنوها الحدود فقط، بل تُهزم عندما يعبر الأمل حدودها أولًا. وعندما يصبح الوصول إلى سبتة حلمًا، بدل أن يكون بناء المستقبل في المغرب هو الحلم، فإن ذلك ليس مجرد حادث عابر، بل إنذار سياسي واجتماعي شديد القسوة، يستحق أن يُقرأ بصدق، بعيدًا عن لغة التبرير، وقبل أن يتحول نزيف الهجرة إلى عنوان دائم لجيل لم يعد يرى في وطنه ما يدفعه إلى البقاء.

admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *