الهجرة عبر سبتة المحتلة… عندما يصبح اليأس أقوى من الخوف.

أمين الحميدي
فاعل نقابي و حقوقي
في كل مرة تتجه فيها الأنظار نحو محيط مدينة سبتة المحتلة، تتكرر المشاهد نفسها، لكنها لا تفقد قدرتها على إيلام الضمير. شباب في مقتبل العمر يغامرون بأرواحهم، نساء يحملن أطفالاً لم يكملوا عامهم الأول، رجال تجاوزوا سنوات الشباب يبحثون عن بصيص أمل، و أمهات يقفن على الشاطئ بقلوب مكسورة يتوسلن أبناءهن أن يعدلوا عن قرار قد تكون نهايته الغرق أو الاختفاء في عرض البحر.
إنها مشاهد تختزل حجم الإحباط الذي يعيشه جزء من المجتمع المغربي، و تعكس فقدان الأمل لدى فئات واسعة لم تعد ترى في وطنها فرصة لتحقيق حياة كريمة. و المؤلم أن عدداً من هذه المحاولات ينتهي بمآسٍ إنسانية، حيث تتزايد كل سنة أخبار الوفيات و المفقودين، فيتحول حلم الهجرة إلى مأتم جديد يضاف إلى سلسلة طويلة من الفواجع.
الهجرة السرية ليست مجرد ظاهرة أمنية تستوجب تشديد المراقبة، بل هي قبل كل شيء مؤشر اجتماعي و سياسي و اقتصادي يكشف حجم الاختلالات التي تعيشها البلاد. فعندما يختار الإنسان المخاطرة بحياته في البحر، فهو في الغالب لا يهرب من وطنه، بل يهرب من واقع فقد فيه الثقة في المستقبل.
و من هنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: أين هو الدور الحقيقي للأحزاب السياسية؟ فالأحزاب ليست مجرد آليات لخوض الانتخابات، بل يفترض أن تكون مؤسسات للتأطير و التكوين السياسي، و فضاءات لاحتضان الشباب و الاستماع إلى تطلعاتهم و صياغة حلول واقعية لمشاكلهم. غير أن المشهد السياسي، في كثير من الأحيان، أصبح منشغلاً بصراعات المواقع و المناصب، و بالتحالفات الظرفية، و بانتقالات المنتخبين من حزب إلى آخر، في صورة تكرس لدى المواطن الشعور بأن المصالح الشخصية أصبحت تتقدم على المصلحة العامة.
و في المقابل، يجد الشباب أنفسهم أمام انسداد في قنوات الحوار، و ضعف في الإنصات لمطالبهم، و غياب لسياسات عمومية قادرة على إعادة الثقة و الأمل. و بينما يهاجر الشباب بحثاً عن مستقبل أفضل، ينشغل بعض a الفاعلين السياسيين بحسابات انتخابية ضيقة أو بتوريث المسؤوليات و المواقع لأبنائهم و أقاربهم، في مشهد يكرس الإحساس بعدم تكافؤ الفرص و يعمق الفجوة بين المواطن و المؤسسات.
لقد أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، في العديد من خطاباته، على أهمية الإنصات للمواطن، و جعل الشباب في صلب السياسات العمومية، و ربط المسؤولية بالمحاسبة، و تجديد النخب، و العمل على تحقيق العدالة الاجتماعية و المجالية. و هي توجيهات ملكية تشكل خارطة طريق واضحة، غير أن تنزيلها على أرض الواقع يظل رهيناً بإرادة سياسية حقيقية، و بقدرة المؤسسات على ترجمة هذه التوجيهات إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
و لا يمكن الحديث عن الهجرة السرية دون الوقوف عند مسؤولية الحكومة في بلورة سياسات عمومية تعيد الأمل للمواطنين، خاصة لفئة الشباب. فارتفاع نسب البطالة، و صعوبة الولوج إلى فرص الشغل، و تراجع الثقة في جدوى المشاركة السياسية، كلها عوامل تغذي الإحساس بالإقصاء، وتجعل من الهجرة، مهما كانت مخاطرها، خياراً يراه البعض أقل قسوة من واقعهم.
إن المواطن المغربي لا يبحث عن المستحيل، بل يريد تعليماً جيداً، و شغلاً كريماً، و خدمات صحية تحفظ كرامته، و عدالة اجتماعية تضمن تكافؤ الفرص، و مؤسسات قريبة منه تنصت إلى همومه بدل الاكتفاء بالشعارات.
إن مشاهد الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة ليست مجرد صور عابرة، بل هي رسالة إنذار ينبغي أن يتوقف عندها الجميع: الحكومة، و الأحزاب السياسية، والبرلمان، و مختلف المؤسسات. فبناء الأوطان لا يكون فقط بالمشاريع و البنيات التحتية، بل ببناء الثقة في نفوس المواطنين، وإقناع الشباب بأن مستقبلهم يمكن أن يصنع داخل وطنهم، لا على متن قارب متهالك في عرض البحر.
إن المغرب يملك من الطاقات و الكفاءات ما يؤهله لتحقيق نهضة حقيقية، لكن هذه النهضة لن تكتمل إلا إذا أصبح الإنسان محور كل السياسات العمومية، وإذا تحولت الوعود إلى إنجازات، و الخطابات إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية. و عندها فقط، سيتراجع اليأس، و ستنتصر إرادة الحياة داخل الوطن على حلم الهجرة المجهول.

