أنوار يكتب: الناتو لا يكفي… كيف يمكن أن تتحول حرب المغرب وإسبانيا إلى مأزق استراتيجي لمدريد؟

أنوار يكتب: الناتو لا يكفي… كيف يمكن أن تتحول حرب المغرب وإسبانيا إلى مأزق استراتيجي لمدريد؟

بقلم الدكتور أنوار قورية – خبير في الذكاء الترابي والحكامة الرقمية

إذا اندلعت الحرب بين المملكة المغربية والمملكة الاسبانية، فقد تكون المفاجأة الكبرى أن الدولة التي تبدو أقوى على الورق ليست بالضرورة الدولة القادرة على فرض النتيجة في الميدان، فإسبانيا تمتلك طائرات أكثر، وسفنا أكثر تطورا، واقتصادا أكبر، وتنتمي إلى الناتو والاتحاد الأوروبي، لكن كل هذه العناصر تفقد جزءا من قيمتها عندما تتحول الحرب إلى مواجهة طويلة في شمال إفريقيا، وفي المقابل، راكم المغرب خلال السنوات الأخيرة ترسانة حديثة وقوة بشرية كبيرة وشبكة متنامية من الشراكات العسكرية، والأهم أنه يملك الجغرافيا إلى جانبه، لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس من يملك الجيش الأقوى؟ بل من يستطيع أن يخوض الحرب التي لا يريدها خصمه؟ وهنا تبدأ الصورة في الانقلاب لمصلحة الرباط.

قد تدخل إسبانيا أي مواجهة وهي مقتنعة بأن تفوقها التكنولوجي سيمنحها اليد العليا، لكن المشكلة أن التكنولوجيا لا تقاتل وحدها، فالمقاتلة تحتاج إلى قواعد آمنة، والفرقاطة تحتاج إلى إمدادات، والدبابة تحتاج إلى خطوط لوجستية، والجيش الحديث يحتاج إلى ذخائر وقطع غيار وقدرة على تعويض الخسائر، والمغرب، بخلاف إسبانيا، سيقاتل بالقرب من قواعده وعلى أرض يعرفها جيدا، بينما سيكون على مدريد أن تفكر في كيفية إدارة عمليات عسكرية معقدة على الجانب الآخر من مضيق جبل طارق، وكلما طال أمد الحرب، تراجعت قيمة الضربة الأولى وارتفعت قيمة القدرة على التحمل والاستنزاف والتعبئة، وهذا تحديدا هو النوع من الحروب الذي لا يمكن فيه اختصار قوة المغرب بمجرد مقارنته بعدد الطائرات الإسبانية، أما سبتة ومليلية المحتلتين، فقد تتحولان من ورقة قوة إسبانية إلى أخطر مأزق استراتيجي لمدريد، فالموقع الجغرافي لهاتين المدينتين يجعلهما مختلفتين تماما عن أي منطقة إسبانية داخل شبه الجزيرة، ففي حالة الحرب، ستجد إسبانيا نفسها أمام ضرورة الدفاع عن وجود عسكري ومدني في نقطتين محاطتين جغرافيا بالأراضي المغربية، بينما يستطيع المغرب حشد قواته وقدراته على مقربة شديدة من مسرح العمليات، وقد يكون هذا العامل أهم من الفارق في عدد الطائرات أو السفن، لأن الحرب الحديثة لا تُحسم فقط بمن يملك السلاح الأفضل، وإنما بمن يستطيع استخدامه في المكان والزمن المناسبين، وإذا تحولت الأزمة إلى مواجهة استنزاف، فإن السؤال الذي سيطارد مدريد لن يكون فقط كيف ندافع عن المدينتين؟ بل إلى متى نستطيع تحمل تكلفة الدفاع عنهما؟

وهنا يظهر الرهان الإسباني الأكبر، الناتو، فهناك من يتعامل مع عضوية إسبانيا في الحلف وكأنها شيك مفتوح يضمن تدخل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وبقية الحلفاء في أي حرب تخوضها مدريد، لكن الواقع أكثر تعقيدا، فالحرب مع المغرب، وخصوصا إذا ارتبطت بمدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، ستضع الحلفاء أمام قضية سياسية وقانونية واستراتيجية شديدة الحساسية، ولن يكون قرار تحويل نزاع بين دولتين متجاورتين إلى مواجهة مباشرة بين الناتو والمغرب قرارا سهلا، لذلك فإن أخطر خطأ يمكن أن ترتكبه مدريد هو بناء حساباتها العسكرية على دعم خارجي لم يُحسم مسبقا، قد تملك إسبانيا حلفاء أقوياء، لكن امتلاك الحلفاء لا يعني بالضرورة استعدادهم لخوض الحرب التي تريدها إسبانيا، أما الاتحاد الأوروبي فلن يكون بالضرورة أكثر استعدادا من الناتو للذهاب إلى النهاية لأن المغرب ليس خصما بعيدا عن أوروبا، بل إنه دولة مرتبطة بها اقتصاديا وأمنيا وتجاريا، وذات أهمية مباشرة في ملفات الهجرة ومكافحة الإرهاب وأمن المتوسط، وإذا اندلعت حرب مفتوحة، فإن أوروبا لن تواجه فقط سؤال الدفاع عن إسبانيا، وإنما ستواجه تداعيات اقتصادية وأمنية وسياسية قد تصل إلى عواصمها، لذلك قد يتحول الموقف الأوروبي من كيف ننتصر على المغرب؟ إلى كيف نوقف الحرب قبل أن تتحول إلى أزمة متوسطية كبرى؟، وهذا فارق استراتيجي هائل، لأن المغرب لا يحتاج بالضرورة إلى تحقيق انتصار عسكري ساحق، يكفيه في بعض السيناريوهات أن يصمد ويمنع إسبانيا من تحقيق أهدافها حتى تبدأ الضغوط السياسية على مدريد، أما عن واشنطن، فلن تكون أمام معادلة أقل تعقيدا، فالولايات المتحدة الأمريكية لم تعد حليفا لإسبانيا حسب الموقف الرسمي للبيت الأبيض، لكنها في الوقت ذاته تنظر إلى المغرب باعتباره شريكا استراتيجيا مهما في شمال إفريقيا ولذلك فإن اندلاع حرب بين البلدين لن يضع الإدارة الأمريكية أمام خيار صعب بين دعم حليف أوروبي وبين الحفاظ على شراكة استراتيجية مع الرباط، ومن غير الواقعي افتراض أن واشنطن ستنتقل تلقائيا من الضغط الدبلوماسي إلى إرسال قواتها لمحاربة المغرب، أما إسرائيل، فحتى لو دخلت الحسابات السياسية للحرب، فإن تحويل الخلافات السياسية إلى تدخل عسكري مباشر يظل سيناريو مختلفا تماما، بعبارة أخرى، مدريد قد تكتشف في اللحظة الأصعب أن التحالفات التي تبدو ضخمة على الورق لا تتحول كلها إلى جنود وطائرات وسفن في ساحة المعركة، وهنا قد ينتقل الرهان على الجزائر، تبدو خطوة خطيرة جدا لكنها واردة، فإذا قررت الجزائر الانتقال من المواقف السياسية إلى دعم عسكري مباشر لإسبانيا، فقد تجد نفسها أمام نتيجة عكسية تماما، بدل أن تساعد مدريد على احتواء المغرب، قد تفتح مواجهة مغربية-جزائرية واسعة وفي هذه الحالة لن تكون الجزائر مجرد طرف داعم، وإنما ستصبح طرفا مباشرا في حرب إقليمية، ما يفرض عليها توزيع قواتها ومواردها على جبهة إضافية ويضاعف الضغط الاقتصادي والأمني والسياسي عليها مما قد يسفر عن انهيار أو اندلاع حرب أهلية فيها وهي نتيجة حتمية لا مفر منها بل ومن الممكن الجزم بها، وهذا ما يوضح لنا حجم المخاطر التي قد تترتب على تحويل النزاع الإسباني المغربي إلى مواجهة إقليمية أوسع.
في الميدان، ستكون الطائرات المسيرة والدفاع الجوي والقوة البرية المغربية من أكثر العناصر التي يمكن أن تقلب الحسابات الإسبانية، فإسبانيا تستطيع أن تستفيد من مقاتلاتها المتقدمة ومن قوتها البحرية في مواجهة قصيرة ومحدودة، لكن المغرب لا يحتاج إلى التفوق في كل مجال حتى يمنع إسبانيا من تحقيق أهدافها، يكفي أن يجعل التفوق الإسباني مكلفا وغير حاسم، ومع انتشار الطائرات المسيرة وتطور أنظمة الدفاع الجوي وامتلاك مقاتلات F-16 ودبابات Abrams، أصبحت القوات المسلحة الملكية أكثر قدرة على خوض مواجهة مركبة لا تعتمد على سلاح واحد وإذا فشلت إسبانيا في تحقيق نتيجة سريعة، فقد تجد نفسها أمام حرب لا تستطيع إنهاءها بسهولة، بينما يواصل المغرب القتال على أرضه وبموارد أقرب إلى ميدان المعركة، ثم هناك العامل الذي قد يكون الأكثر إزعاجا لأوروبا، حرب طويلة في غرب المتوسط ليست حربا معزولة عن بقية العالم فكلما انشغلت الولايات المتحدة والدول الأوروبية بصراع جديد، ظهرت فرص أمام القوى المنافسة للغرب لاستغلال الانقسامات واستنزاف الموارد، ولا يعني ذلك أن روسيا ستدخل الحرب إلى جانب المغرب، وإنما يعني أن أي مواجهة طويلة ستجبر الأوروبيين على توزيع اهتمامهم ومواردهم في وقت يشهد فيه النظام الدولي أصلا صراعات متعددة، ولهذا قد يصبح استمرار الحرب أخطر على المصالح الأوروبية من بدايتها، وقد تدفع هذه الحسابات العواصم الأوروبية نحو وقف التصعيد بدل الانخراط في حرب مفتوحة، وعند إسقاط كل هذه العناصر على ميزان القوة، تتغير الإجابة جذريا، نعم، إسبانيا تتفوق في مجالات جوية وبحرية وتكنولوجية، وتملك اقتصادا أكبر وقدرات عسكرية حديثة، لكن المغرب يملك ما هو أكثر أهمية في سيناريو حرب تدور حول شمال إفريقيا، يملك العمق الجغرافي، والقوة البشرية، والاحتياط، والقوة البرية، والقدرة المتنامية على استخدام الطائرات المسيرة والدفاع الجوي، وقرب خطوط الإمداد، إضافة إلى صعوبة تنفيذ إسبانيا لعملية برية واسعة داخل الأراضي المغربية لذلك فإن القول إن إسبانيا ستنتصر لمجرد أنها عضو في الناتو وتمتلك مقاتلات وسفنا أكثر هو تبسيط مفرط لحرب ستكون أعقد بكثير من جدول أرقام، والنتيجة الأكثر واقعية قد تكون أكثر إثارة مما توحي به المقارنات التقليدية، المغرب لا يحتاج إلى احتلال إسبانيا حتى ينتصر، وإسبانيا لا تستطيع بالضرورة هزيمة المغرب لمجرد أنها تملك جيشا أكثر تقدمًا تكنولوجيا، إذا كانت الحرب قصيرة ومحدودة، فقد تستفيد مدريد نسبيا من تفوقها الجوي والبحري، أما إذا تحولت إلى مواجهة طويلة تتمحور حول شمال المغرب وسبتة ومليلية المحتلتين، فإن ميزان القوة يبدأ في التحول، فكل يوم إضافي من الحرب يرفع قيمة الجغرافيا والاحتياط والقدرة على الاستنزاف، ويخفض قيمة التفوق النظري الذي لا يتحول إلى حسم، وعندها قد تجد إسبانيا نفسها أمام معادلة صعبة، لا تستطيع تحقيق نصر حاسم، ولا تستطيع تحمل حرب مفتوحة إلى ما لا نهاية، بينما يستطيع المغرب أن يجعل ثمن استمرار الحرب أكبر من ثمن إنهائها، وفي هذه النقطة تحديدا قد لا تكون المعركة على من يملك الجيش الأقوى، وإنما على من يستطيع الصمود حتى يقتنع الطرف الآخر بأن الحرب لم تعد تستحق ثمنها.

admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *