أنوار يكتب: من التحرير إلى طلب الجنسية الإسبانية… قانون مدريد يكشف مفارقة مشروع البوليساريو الوهمي

أنوار يكتب: من التحرير إلى طلب الجنسية الإسبانية… قانون مدريد يكشف مفارقة مشروع البوليساريو الوهمي

 

بقلم الدكتور أنوار قورية – باحث في الاعلام والسياسات الدولية

تكشف المصادقة الأخيرة لمجلس النواب الإسباني على مقترح قانون منح الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين خلال فترة الإدارة الإسبانية وأبنائهم وأحفادهم عن مفارقة سياسية لافتة تستحق التوقف عندها، فالقانون، الذي حظي بـ168 صوتا مقابل 31 وامتناع عدد من النواب، ينطلق من رابطة قانونية وتاريخية مع إسبانيا تعود إلى مرحلة الإدارة الاستعمارية السابقة، ويمنح المعنيين مسارا استثنائيا لاكتساب الجنسية الإسبانية.

واللافت أكثر أن هذا التطور يأتي في الوقت الذي تتحرك فيه ممثلة البوليساريو داخل البرلمان الإسباني، النائبة عن تحالف “سومار” تِش سيدّي، من أجل حشد التأييد للمقترح باعتباره قضية مصيرية، وهنا تبرز مفارقة سياسية لا تخفى على المتابع، تنظيم يرفع منذ عقود شعار التحرر من الوجود الإسباني في الصحراء المغربية، يجد نفسه اليوم معنيّا إلى حد كبير بترسيخ رابطة قانونية مع الدولة التي كانت القوة الاستعمارية السابقة في الإقليم، وليس في ذلك، بطبيعة الحال، ما يمكن اعتباره اعترافا إسبانيا بسيادة المغرب على صحراءه، لكنه يكشف بوضوح أن الخطاب السياسي شيء، وتعقيدات التاريخ والوثائق والقانون والجنسية شيء آخر، ومن زاوية مغربية، تكتسب المسألة أهمية خاصة لأن النص الإسباني لا يتحدث عن كيان سياسي مستقل أو عن جنسية صحراوية منفصلة، بل يعالج أفرادا من خلال علاقتهم التاريخية بالإدارة الإسبانية السابقة، أي باعتبارهم أصحاب وضع شخصي يمكن أن تنشأ عنه حقوق في مواجهة الدولة الإسبانية وهذه نقطة ينبغي استثمارها إعلاميا بحذر، فالقانون بمفرده يثبت سيادة المغرب على صحراءه، في المقابل يفند أي شكل من أشكال الاعتراف بقيام دولة صحراوية مستقلة، ولا يمنح البوليساريو أي صفة سيادية أو تمثيلية على الإقليم بموجب القانون الإسباني نفسه.

الأهم أن هذا التطور يفتح نقاشا مختلفا حول سكان مخيمات تندوف والحديث المتكرر عن أعدادهم وتمثيلهم الديموغرافي، فإمكانية استفادة أشخاص يقيمون في المخيمات من الجنسية الإسبانية، متى استوفوا شروط القانون، لا تعني تلقائيا أنهم يدخلون في إحصاء المواطنين المغاربة المقيمين بالخارج، كما أن القانون الإسباني لا يحسم أصلا مسألة جنسيتهم المغربية أو وضعهم الإحصائي داخل المغرب، لذلك فإن الربط الإعلامي الذكي ينبغي أن يقوم على التمييز بين ثلاثة أمور، الأصل أو الانتماء، والجنسية القانونية، والوضع الإحصائي، وهي مسائل لا يجوز دمجها في استنتاج واحد من دون وثائق قانونية مستقلة، ومن هنا تبدو المفارقة السياسية أكثر وضوحا، فإذا كانت البوليساريو تقدم نفسها باعتبارها مشروعا لبناء دولة مستقلة، فلماذا يصبح الحصول على جنسية دولة أوروبية، كانت صاحبة الإدارة الاستعمارية السابقة للصحراء المغربية، قضية مصيرية بالنسبة إلى ممثليها؟ السؤال مشروع سياسيا حتى لو لم يكن القانون الإسباني جوابا قانونيا على النزاع الترابي، والأرجح أن هذه المفارقة تكشف حجم التعقيد الذي يحيط بملف الصحراء المغربية، حيث تتقاطع الذاكرة الاستعمارية مع المصالح الفردية ومع حسابات الهجرة والجنسية والسياسة الداخلية الإسبانية، وبالنسبة للمغرب، فإن القراءة الأكثر قوة لهذا التطور ليست الادعاء بأن البرلمان الإسباني اعترف رسميا بمغربية الصحراء، لأن ذلك غير دقيق، وإنما إبراز أن التشريع نفسه يعيد الملف إلى سياقه التاريخي والقانوني المرتبط بفترة الإدارة الإسبانية، من دون أن يمنح البوليساريو اعترافا بدولة مستقلة أو يقرر لها سيادة على الأرض، وفي هذا السياق، تتحول المفارقة من مادة للسخرية إلى سؤال سياسي جدي، كيف يمكن لمشروع انفصالي أن يجعل الحصول على جنسية الدولة الاستعمارية السابقة هدفا مصيريا، بينما يواصل في الوقت نفسه تقديم نفسه باعتباره مشروعا للتحرر والاستقلال؟ هنا بالضبط تكمن إحدى أكثر مفارقات قضية الصحراء المغربية دلالة وإثارة للنقاش.

admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *