أنوار يكتب: المملكة المغربية خارج مربع الإملاءات الاوروبية… حين تصطدم بروكسل بواقع الجغرافيا والسيادة
بقلم الدكتور أنوار قورية – باحث في الاعلام والسياسات الدولية
ليس كل ما يخرج من بروكسل قرارا ينزل على الرباط كأنه قدر محتوم وليس كل تصويت داخل البرلمان الأوروبي قادرا على إعادة رسم خرائط القوة في الضفة الجنوبية للمتوسط، المملكة المغربية ليس دولة تنتظر شهادة حسن سلوك من أحد، ولا رقما صغيرا في دفتر الحسابات الأوروبية حتى يُستدعى عند الحاجة إلى ضبط الحدود ثم يُدفع إلى الصفوف الخلفية عندما يتعلق الأمر بالقرار والسيادة، ما جرى في البرلمان الأوروبي بشأن سبتة ليس مجرد قرار حول الهجرة، إنه فصل جديد في علاقة تتغير قواعدها بصمت، لأن الرباط لم تعد تتعامل مع محيطها بمنطق رد الفعل، ولأن جغرافية المغرب نفسها تحولت إلى عنصر قوة في معادلة تتقاطع فيها أوروبا وإفريقيا والأطلسي والمتوسط، لذلك فإن كل خطاب أوروبي يراهن على الضغط وحده مطالب بأن يتذكر أن العلاقات الدولية لا تُدار بالبيانات وحدها، وأن الدول لا تتخلى عن مصالحها لأن مؤسسة سياسية قررت رفع سقف اللهجة.
في 17 سبتمبر، صوّت البرلمان الأوروبي على القرار بـ339 صوتا مقابل 225، مع 13 امتناعا في مشهد يكشف صخب المؤسسة الأوروبية أكثر مما يكشف وحدة الموقف الأوروبي، القرار حمّل المغرب مسؤوليات في مراقبة الحدود وإعادة المهاجرين، وربط أزمة سبتة بمسائل الأمن والسيادة ووحدة أراضي الدول الأعضاء، لكن خلف هذه اللهجة الصلبة كان الانقسام الأوروبي واضحا، يمين يضغط باتجاه تشديد المقاربة الأمنية والهجرية، ويسار يرفض توصيف الأزمة بمفردات مثل الغزو، وبينهما مؤسسات أوروبية وحكومات وحسابات انتخابية وسياسية متباينة وهنا تظهر المفارقة التي يصعب تجاهلها، أوروبا التي تريد أن تبدو أمام الرباط كتلة واحدة، تتحدث من داخلها أصوات متعددة، وتختلف حتى في تعريف الأزمة نفسها وفي المسؤوليات المترتبة عليها، فهل يمكن لمنظومة لم تحسم خلافاتها الداخلية أن تتعامل مع المغرب وكأنه طرف بلا أوراق؟ أما الجغرافيا، فتلك قصة أخرى، المغرب لا يقف في نهاية الخريطة الأوروبية، بل في قلب واحدة من أكثر النقاط حساسية في العالم، مضيق جبل طارق، واجهة المتوسط، عمق إفريقي، وامتداد أطلسي مفتوح على طرق التجارة الدولية، من يريد أن يتحدث عن الحدود عليه أن يتحدث أيضا عن الجغرافيا، ومن يريد أن يتحدث عن الأمن عليه أن يتذكر أن أمن أوروبا في ملفات الهجرة والإرهاب والجريمة المنظمة والطاقة والتجارة لا ينفصل عن موقع المملكة ودورها، ومن يريد أن يتحدث عن الشراكة فعليه أن يفهم أن الشراكة ليست عقد إذعان، هكذا تعمل السياسة الدولية، المصالح تتقاطع، والأوراق تتبادل، والدول تفاوض من موقع ما تملكه، لا من موقع ما يُطلب منها أن تتنازل عنه، ثم تأتي المفارقة الأكثر وضوحا، أوروبا تحتاج المغرب في ملفات عديدة بالقدر الذي يحتاج فيه المغرب إلى علاقاته الأوروبية، وعندما يصبح التعاون في الفلاحة والصيد البحري والتجارة والهجرة والأمن محل نقاش دائم، يصبح من الصعب تقديم العلاقة على أنها علاقة مانح بمتلقٍ، أو آمر بمنفذ، وحتى الحديث عن ربط التمويل والتعاون بإدارة الحدود لا يعني أن اتفاقات الشراكة أُلغيت، ولا أن أموال الاتحاد الأوروبي أوقفت تلقائيا، ولا أن قرار البرلمان الأوروبي وحده يستطيع أن يفرض عقوبات على الرباط، القرار السياسي شيء، والمسار القانوني والمؤسساتي شيء آخر. ولذلك فإن تحويل التصويت البرلماني إلى ما يشبه إعلان حرب سياسية شاملة لا يخدم فهم المشهد، فالمعركة الحقيقية ليست في عدد الأصوات داخل قاعة البرلمان، بل في قدرة كل طرف على حماية مصالحه داخل شبكة علاقات معقدة، وفي ملف سبتة تحديدا، لا يتعلق الأمر بالهجرة وحدها، مهما حاول البعض اختزال المشهد في ذلك، هناك قضية أقدم تتعلق بالسيادة، وهناك رؤية إسبانية وأوروبية للمدينتين، وهناك موقف مغربي معروف، وهناك في المقابل أزمة هجرة تتداخل فيها شبكات التهريب والسياسات الوطنية والتدفقات البشرية والأمن الحدودي ولهذا فإن تحويل المغرب إلى متهم وحيد في أزمة مركبة لا يلغي تعدد عناصرها، وحتى عندما قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إن سبتة هي إسبانيا، وسبتة هي أوروبا، فإن ذلك يعكس موقفا سياسيا أوروبيا واضحا، لكنه لا ينهي النقاش الجيوسياسي حول مستقبل العلاقة المغربية الأوروبية، فالجغرافيا لا تتغير بخطاب، والسيادة لا تُحسم بتصويت، والعلاقات الدولية لا تختصر في عبارات تضامن سياسية، المغرب، في نهاية المطاف، ليس مطالبا بأن يرفع صوته كي يثبت أنه موجود، وجوده تفرضه الجغرافيا والمصالح وحسابات الأمن والتجارة وموقعه الإفريقي والمتوسطي والأطلسي، لكن الرسالة التي يمكن استخلاصها من هذه المواجهة واضحة، من يريد شراكة استراتيجية مع الرباط عليه أن يتعامل معها كشراكة، لا كعلاقة أوامر، ومن يريد تعاونا في الهجرة والأمن والاقتصاد، عليه أن يدرك أن التعاون المتين يحتاج إلى احترام متبادل للمصالح والسيادة، أما لغة الضغط، مهما ارتفع صداها تحت قبة البرلمان الأوروبي، فلن تستطيع وحدها تغيير معادلة أكبر منها، فبين ضفتي المتوسط لا توجد قوة واحدة تتحدث، ولا دولة واحدة تملك كل الأوراق، هناك جغرافيا ومصالح وتوازنات، وهناك مغرب يفاوض من موقعه، وأوروبا تفاوض من موقعها، وفي هذه المساحة تحديدا، لا تكفي الضجيج السياسي ولا الشعارات الذي يبقى هو وزن الدولة حين تضع جغرافيتها ومصالحها وسيادتها على طاولة التفاوض.


