” الإعلام العمومي .. حين يصبح طول المسؤولية سؤالاً مشروعاً .
حكومات تتعاقب، وزراء يغادرون و آخرون يتولون المسؤولية، مؤسسات يعاد تنظيمها، و أوراش إصلاحية جديدة تُعلن من حين إلى آخر، فيما يظل قطاع الإعلام العمومي يعيش مفارقة تستحق التوقف عندها:
**استمرارية استثنائية في قمة المسؤولية، مقابل تحولات متسارعة في محيط إعلامي لم يعد يشبه بأي حال من الأحوال إعلام نهاية التسعينيات.**
منذ سنة 1999، ارتبط اسم فيصل العرايشي بتدبير قطاع الإعلام العمومي، و هي مدة طويلة بما يكفي لكي يصبح السؤال عن الحصيلة، و عن جدوى استمرار النموذج نفسه، سؤالاً مشروعاً في النقاش العمومي.
لا يتعلق الأمر هنا بحكم مسبق على الرجل، ولا بالتشكيك في كفاءته، و لا بتوجيه اتهامات لا تستند إلى وثائق أو أحكام. فالمسؤول العمومي، مهما طال بقاؤه، يجب أن يُناقش من خلال **النتائج و السياسات و الحصيلة**.
لكن في المقابل، فإن طول مدة المسؤولية لا ينبغي أن يتحول إلى حصانة من النقد أو إلى وضعية تجعل تغيير القيادة أمراً شبه مستحيل.
فالقاعدة الديمقراطية و الإدارية البسيطة تقول إن المؤسسات لا ينبغي أن ترتبط بالأشخاص، و أن المسؤولية العمومية ليست منصباً أبدياً، مهما كانت مكانة المسؤول أو تجربته.
و الإعلام العمومي تحديداً يحتاج إلى هذه القاعدة أكثر من غيره.
لقد تغير العالم الإعلامي بشكل جذري. المشاهد الذي كان ينتظر نشرة الأخبار أو برنامجاً تلفزيونياً في توقيت محدد أصبح اليوم يتلقى الأخبار و المعلومات و الترفيه على مدار الساعة، و من عشرات المنصات و القنوات و المواقع و شبكات التواصل الاجتماعي.
و أمام هذا التحول، لم يعد السؤال هو فقط: كم قناة نملك؟ و كم برنامجاً ننتج؟ و كم استثماراً نخصص للقطاع؟
السؤال الحقيقي أصبح:
**هل الإعلام العمومي قادر على إقناع المواطن المغربي، و خاصة الأجيال الجديدة، بأن لديه سبباً حقيقياً لمتابعته ؟**
و هنا لا بد من الاعتراف بأن المؤسسة العمومية حققت، خلال السنوات الماضية، استثمارات و تطورات تقنية و مهنية مهمة، كما أن مشروع إعادة هيكلة القطاع في اتجاه إنشاء هولدينغ إعلامي عمومي يفتح نقاشاً جديداً حول الحكامة و النجاعة و ترشيد الموارد.
لكن إعادة الهيكلة وحدها لا تكفي.
فالمغرب لا يحتاج فقط إلى تغيير الهندسة القانونية للمؤسسات، بل يحتاج أيضاً إلى **تجديد في العقليات و أساليب التدبير و القيادة**.
إذا كانت المرحلة المقبلة تتطلب إعلاماً عمومياً أكثر تنافسية و أكثر حضوراً في المجال الرقمي و أكثر قدرة على استقطاب الجمهور، فمن المشروع أن يُطرح السؤال: هل يمكن تحقيق هذا التحول بالآليات القيادية نفسها التي رافقت القطاع لعقود، أم أن المرحلة الجديدة تحتاج أيضاً إلى تجديد على مستوى المسؤوليات؟
هذا السؤال لا يحمل إدانة لأحد.
بل على العكس، قد يكون استمرار أي مسؤول لسنوات طويلة مبرراً إذا كانت هناك حصيلة واضحة، و مؤشرات أداء قوية، و تجديد مستمر في الرؤية، و آليات شفافة لتقييم النتائج.
لكن عندما يصل المسؤول إلى مرحلة طويلة جداً من تدبير القطاع، يصبح **تجديد النقاش حول استمراره أمراً طبيعياً في أي مؤسسة عمومية حديثة.**
فالخبرة مهمة ، لكنها ليست بديلاً عن التجديد.
و الاستقرار ضروري، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى جمود.
و الاستمرارية قد تكون إيجابية، لكنها تصبح محل تساؤل عندما تتحول المؤسسة إلى فضاء يصعب فيه تصور انتقال المسؤولية من جيل إلى جيل.
إن الإعلام العمومي المغربي يحتاج اليوم إلى دماء جديدة، ليس بالضرورة لأن كل ما تحقق سابقاً كان خاطئاً، و إنما لأن المرحلة الإعلامية الجديدة مختلفة تماماً عن المرحلة التي بدأت فيها هذه المسؤولية.
نحن أمام جيل رقمي جديد، و منافسة غير مسبوقة، و منصات عالمية، و تغير جذري في عادات المشاهدة، و تطور سريع في الذكاء الاصطناعي و صناعة المحتوى.
و من غير الطبيعي أن تتغير كل هذه الأشياء بسرعة، بينما تبقى فلسفة القيادة و التدبير ثابتة لعقود.
لهذا، فإن الدعوة إلى تغيير القيادة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها حملة ضد شخص، و إنما باعتبارها جزءاً من سؤال أوسع حول **تجديد النخب و المسؤوليات داخل المؤسسات العمومية .**
فحتى المسؤول الناجح يمكن أن يصل إلى مرحلة يصبح فيها انتقال التجربة إلى جيل جديد أكثر فائدة للمؤسسة من استمرار الشخص نفسه.
و هذا هو جوهر الحكامة الحديثة : أن تكون المؤسسة أقوى من الأشخاص ، و أن يكون انتقال المسؤوليات أمراً عادياً، لا حدثاً استثنائياً.
لقد آن الأوان، ربما، لكي ننتقل من سؤال: **من سيبقى؟**
إلى سؤال أهم:
**ما النموذج الذي نريد أن يكون عليه الإعلام العمومي خلال السنوات العشر المقبلة ؟ و من هي الكفاءات القادرة على قيادته؟**
نحتاج إلى قيادة تفكر في المستقبل ، لا في حماية النموذج القائم.
نحتاج إلى إعلام يستثمر في الصحافي و التقني و المصور و المخرج و المنتج، و يمنح الكفاءات المهنية فرصها، و يجعل الابتكار الرقمي جزءاً من صلب استراتيجيته ، و يعيد بناء العلاقة مع الجمهور على أساس الثقة و الجودة.
و نحتاج قبل كل شيء إلى قاعدة واضحة:
**لا أحد ينبغي أن يكون خالداً في المسؤولية العمومية.**
ليس لأن كل مسؤول طويل المدة فاشل، و إنما لأن المؤسسات التي تحترم نفسها تعرف متى تستفيد من تجربة المسؤول، و متى تفتح الباب أمام جيل جديد من القيادات.
لقد حان الوقت لكي يكون النقاش حول مستقبل الإعلام العمومي أكبر من اسم شخص، و أوسع من منصب، و أبعد من أي حساب سياسي أو شخصي.
فالمطلوب ليس إقصاء شخص بقدر ما هو **إعادة الاعتبار لفكرة التداول على المسؤولية و تجديد القيادة و ربط الاستمرار دائماً بالحصيلة.**
الإعلام العمومي ملك للمغاربة، و المال الذي يموله مال عمومي، و المهمة التي يؤديها مهمة عمومية.
لذلك، فإن السؤال عن قيادته و حكامته و نتائجه ليس تدخلاً في شؤونه، بل هو جزء من الحق المشروع للمجتمع في معرفة إلى أين يتجه إعلامه العمومي.
و قد يكون مشروع الهولدينغ الإعلامي فرصة لإعادة طرح هذا السؤال من أساسه :
**هل نحن أمام مجرد إعادة ترتيب للهياكل، أم أمام فرصة حقيقية لفتح صفحة جديدة في قيادة الإعلام العمومي المغربي؟**
الجواب لن يكون في تغيير الاسم أو الشعار أو الهيكل القانوني وحده.
الجواب سيكون في قدرة الإعلام العمومي على استعادة ثقة الجمهور، و على التجدد، و على المنافسة، و على إنتاج إعلام يواكب مغرب اليوم و يستشرف مغرب الغد.
و في هذه المرحلة، فإن **التغيير ليس بالضرورة اعترافاً بالفشل، كما أن الاستمرار ليس بالضرورة دليلاً على النجاح.**
المعيار الحقيقي هو الحصيلة.
و حين تطول المسؤولية إلى عقود، يصبح التجديد ليس مطلباً شخصياً ضد أحد، و إنما **سؤالاً مؤسسياً مشروعاً حول مستقبل مؤسسة يفترض أن تكون أكبر من أي مسؤول.**


