حسناء شهابي تكتب الكتلة المثلى
يبدو أن السياسة المغربية قد اكتشفت أخيراً صيغة جديدة للكتل السياسية: الكتلة المثلى. وهي، على ما يبدو، كتلة لا تحتاج بالضرورة إلى برنامج موحد، ولا إلى ذاكرة سياسية طويلة، بل يكفي أن تكون لها قدرة فائقة على التأقلم مع الظروف… ومع موازين السلطة.
ذات زمن، كان اليسار المغربي يتحدث بلغة مختلفة. كانت هناك فكرة اسمها الكتلة الديمقراطية، وكانت لها دلالات سياسية وتاريخية، باعتبارها تجربة جمعت قوى سياسية على أرضية مشتركة، في مرحلة كان فيها الاصطفاف السياسي يحمل معنى، وكانت المواقع تُبنى على مواقف وبرامج وتصورات للمستقبل.
لكن الزمن السياسي تغير، والكتلة الديمقراطية دخلت التاريخ، وربما دخلت معه بعض مفردات الذاكرة السياسية إلى المتحف.
واليوم، يبدو أن بعض مكونات ذلك اليسار اكتشفت أن أفضل طريقة لإحياء روح الكتلة ليست بالعودة إلى مبادئها، وإنما بالبحث عن كتلة جديدة… داخل الحكومة.
وهنا تظهر «الكتلة المثلى».
فالكتلة المثلى ليست بالضرورة تلك التي تجمع الأحزاب حول مشروع مجتمعي واضح، بل تلك التي تجمعها حول مقعد حكومي شاغر. وليست بالضرورة كتلة بين قوى تتقاسم نفس المرجعية، وإنما بين قوى تستطيع أن تتقاسم نفس الأغلبية.
أما الاختلافات الإيديولوجية، فتلك تفاصيل يمكن أن تتكفل بها الذاكرة الانتقائية.
فمن كان بالأمس يتحدث عن اليسار والديمقراطية الاجتماعية، وعن ضرورة بناء بديل سياسي مستقل، يمكنه اليوم أن يكتشف أن الحكومة نفسها قد تكون فضاءً مناسباً لصناعة البديل. ومن كان ينتقد بعض اختيارات السلطة، يمكنه أن يجد نفسه غداً شريكاً في تدبيرها، باسم الواقعية السياسية طبعاً.
ولا بأس هنا من التذكير بأن السياسة ليست ديناً ثابتاً، وأن التحالفات تتغير، وأن الانتقال من المعارضة إلى المشاركة في الحكومة ليس خطيئة سياسية في حد ذاته. المشكلة تبدأ فقط عندما يصبح المبدأ قابلاً لإعادة التفسير كلما تغيرت موازين القوى.
والأكثر إثارة للانتباه أن الحديث عن إمكانية التحالف مع الأصالة والمعاصرة لا يبدو، عند البعض، بحاجة إلى كثير من الشرح أو التبرير. فكل ما كان يفصل بين المواقع بالأمس يمكن اختصاره اليوم في كلمة واحدة شديدة السحر: «الواقعية».
والواقعية السياسية، كما نعرف، كلمة نبيلة جداً… ولذلك يمكن أن تستوعب أشياء كثيرة!
لقد أصبح بإمكان السياسي أن يقول: «كنا مختلفين، لكن المرحلة تقتضي التعاون». وهي جملة محترمة جداً، ويمكن استعمالها في كل الاتجاهات، بل وربما تصلح لتبرير معظم التحالفات السياسية في العالم.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل يجوز لليسار أن يدخل الحكومة؟
طبعاً يجوز.
السؤال هو: بأي مشروع؟ وبأي شروط؟ وبأي ثمن سياسي؟
هل الدخول إلى الحكومة هو تتويج لمسار نضالي وبرنامج انتخابي واضح؟ أم أنه مجرد محاولة للعودة إلى دائرة القرار بعدما ضاقت مساحة التأثير من خارجها؟
فالحكومة ليست غنيمة سياسية، والمعارضة ليست عقوبة، والائتلاف ليس مجرد عملية حسابية لجمع المقاعد. السياسة، في النهاية، هي قبل كل شيء ثقة الناخب ووضوح الموقف.
أما المواطن، الذي يتابع هذه التحولات من بعيد، فقد يجد نفسه مضطراً إلى إعادة قراءة الخريطة السياسية المغربية كل صباح، وربما يحتاج إلى تطبيق جديد على الهاتف اسمه: «من مع من اليوم؟»
ويبدو أن النسخة المقبلة من التطبيق ستتضمن خاصية متطورة جداً:
«هل هذا التحالف مبدئي أم تكتيكي؟»
وفي انتظار الإجابة، يمكن القول إن الكتلة الديمقراطية كانت تجربة سياسية لها تاريخها ودلالاتها، أما الكتلة المثلى فهي تجربة أخرى تماماً: كتلة تعرف جيداً أين توجد الحكومة، وتحتاج فقط إلى أن تعرف أين توجد المبادئ عندما تصل إليها.
وهكذا، بعد أن كانت السياسة تبحث عن الكتلة الديمقراطية، يبدو أنها اليوم تبحث عن الديمقراطية المناسبة للكتلة.
والفرق بين العبارتين… ربما هو كل الحكاية.


