الأغلبية الرباعية و المعارضة الجديدة.. إعادة تشكيل المشهد السياسي المغربي و اختبار الثقة .

الأغلبية الرباعية و المعارضة الجديدة.. إعادة تشكيل المشهد السياسي المغربي و اختبار  الثقة .

بقلم : أمين الحميدي

**قراءة سياسية في رهانات التحالف بين الأصالة و المعاصرة و الاستقلال و الاتحاد الاشتراكي والتقدم و الاشتراكية، و مستقبل القوة الاقتراحية للمعارضة**

يفتح الحديث عن أغلبية حكومية تجمع أحزاب الأصالة و المعاصرة و الاستقلال و الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية و التقدم و الاشتراكية، بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري، أفقاً جديداً لقراءة التحولات التي يعرفها المشهد السياسي المغربي، ليس فقط من زاوية إعادة ترتيب التحالفات، وإنما من حيث طبيعة المشروع السياسي و الاجتماعي الذي يمكن أن ينتج عن هذا التقارب، وما يقابله من مسؤوليات ملقاة على عاتق المعارضة في بناء البدائل و ممارسة الرقابة الديمقراطية.

إن جمع هذه الأحزاب الأربعة يطرح مفارقة سياسية تستحق التأمل؛ فالتعدد في المرجعيات و الخلفيات التاريخية قد يشكل مصدر غنى في صناعة القرار، لكنه يفرض، في الوقت نفسه، ضرورة التوفيق بين تصورات مختلفة بشأن الاقتصاد و العدالة الاجتماعية و أولويات التنمية. فمن المرجعية الوطنية لحزب الاستقلال، إلى التوجهات الاجتماعية و الحداثية للأصالة و المعاصرة، مروراً بالامتداد اليساري للاتحاد الاشتراكي و التقدم و الاشتراكية، يبدو التحدي الأساسي هو الانتقال من التوافق على تشكيل الأغلبية إلى التوافق على برنامج قادر على الاستجابة لانتظارات المجتمع.

فالحكومات لا تُقاس بتعدد ألوانها السياسية، و إنما بقدرتها على تحويل التزاماتها إلى نتائج ملموسة. و من هنا، ستظل ملفات التشغيل، و إصلاح التعليم و الصحة، و حماية القدرة الشرائية، و تحسين أوضاع الطبقة المتوسطة و الفئات الهشة، و تقليص الفوارق المجالية، الاختبار الحقيقي لمدى قدرة هذا التحالف على بناء تعاقد اجتماعي جديد يعيد الاعتبار للثقة في المؤسسات و العمل السياسي.

كما أن وجود الاتحاد الاشتراكي و التقدم و الاشتراكية ضمن هذه الأغلبية يطرح سؤالاً حول مدى حضور العدالة الاجتماعية في الاختيارات الحكومية، و قدرة المرجعيات ذات الامتداد الاجتماعي على التأثير في السياسات العمومية. فالمشاركة في الحكومة لا تكتسب قيمتها بمجرد الحصول على مواقع المسؤولية، بل بمدى القدرة على التأثير في القرار و الدفاع عن سياسات تحقق الإنصاف و تكافؤ الفرص وتوسع الاستفادة من ثمار التنمية.

و في المقابل، فإن قيادة فاطمة الزهراء المنصوري لهذه الصيغة، إذا تأكدت رسمياً، ستضع مسألة التنسيق بين مكونات الأغلبية أمام اختبار سياسي يرتبط بمدى القدرة على تجاوز الحسابات الحزبية الضيقة، و توحيد الأولويات، و ضمان الانسجام بين الخطاب السياسي و القرارات الحكومية. فالتعدد داخل الأغلبية يمكن أن يتحول إلى عنصر قوة إذا استند إلى رؤية مشتركة، كما قد يصبح مصدر تباين إذا غابت آليات التنسيق و المحاسبة.

أما في الضفة الأخرى، فإن انتقال أحزاب مثل التجمع الوطني للأحرار و العدالة و التنمية، إلى جانب قوى أخرى، إلى موقع المعارضة، يفتح المجال أمام إعادة تشكيل التوازنات البرلمانية و السياسية. غير أن القيمة الحقيقية لهذه المعارضة لن تتحدد بمجرد اختلافها مع الحكومة، بل بمدى قدرتها على تطوير خطاب نقدي مسؤول، يستند إلى المعطيات و الحجج، و يقدم بدائل واقعية للسياسات العمومية.

فالمعارضة القوية ليست التي تكتفي برصد الاختلالات أو رفع سقف الانتقاد، و إنما التي تستطيع تحويل المراقبة البرلمانية إلى قوة اقتراحية فاعلة، عبر تقديم مقترحات تشريعية، و مناقشة الخيارات الاقتصادية و الاجتماعية، و مساءلة الحكومة عن حصيلة التزاماتها. كما أن وجود أحزاب تنتمي إلى مرجعيات متباينة داخل المعارضة يطرح تحدي التنسيق حول القضايا المشتركة، دون إلغاء الخصوصيات السياسية لكل مكون.

و سيكون التجمع الوطني للأحرار أمام تجربة مختلفة بعد قيادته للأغلبية السابقة، فيما سيجد العدالة و التنمية نفسه أمام فرصة لإعادة تقييم تجربته و خطابه و تحديد أولوياته في موقع المعارضة. أما قوى اليسار، فستكون مطالبة بربط خطابها الاجتماعي بمقترحات عملية، قادرة على التأثير في النقاش العمومي و تقديم أجوبة عن الأسئلة التي تشغل المواطنين.

إن قوة المعارضة لا تُقاس بحدة خطابها، كما أن قوة الأغلبية لا تُقاس بعدد مكوناتها؛ فالمعيار في الحالتين هو القدرة على الإسهام في تطوير السياسات العمومية، و تعزيز الشفافية و المحاسبة، و إقناع المواطنين بأن التنافس السياسي يمكن أن ينتج حلولاً حقيقية لمشاكلهم اليومية. فالأغلبية مسؤولة عن التدبير و الإنجاز، و المعارضة مسؤولة عن الرقابة و الاقتراح، و كلاهما مطالب باحترام قواعد التنافس الديمقراطي و تغليب المصلحة العامة.

و في العمق، يضع هذا المشهد مختلف الفاعلين أمام سؤال يتجاوز توزيع المواقع و المناصب: هل تستطيع الأغلبية الجديدة بناء مشروع يستجيب للتحولات الاجتماعية و الاقتصادية، و هل تتمكن المعارضة من تقديم بدائل تتجاوز منطق رد الفعل إلى ممارسة سياسية منتجة؟ إن الإجابة لن تحسمها التصريحات و لا التفاهمات الحزبية، بل ستكشف عنها الممارسة اليومية داخل المؤسسات، و مدى انعكاس القرارات على حياة المواطنين.

**في نهاية المطاف، لا تصنع التحالفات وحدها التحولات السياسية، و لا تصنع المعارضة البدائل بمجرد رفع شعار التغيير؛ بل تصنعها القدرة على تحويل التوافقات إلى إنجازات، و الاختلافات إلى أفكار، و الوعود إلى نتائج ملموسة.** وبين أغلبية مطالبة بإثبات قدرتها على التدبير و معارضة مطالبة بإثبات قوتها الاقتراحية، يبقى المواطن الحكم الأساسي، و تظل استعادة الثقة في السياسة و المؤسسات الرهان الأكبر على المرحلة المقبلة.

admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *