قناة العيون الجهوية، من وهج البدايات إلى خفوت الأداء: أين اختفى الخط التحريري و الرؤية الإنتاجية؟

قناة العيون الجهوية، من وهج البدايات إلى خفوت الأداء: أين اختفى الخط التحريري و الرؤية الإنتاجية؟

لم تكن قناة العيون الجهوية، منذ انطلاقتها سنة 2004، مجرد نافذة إعلامية محلية، بل مشروعاً إعلامياً يحمل رهانات وطنية و ثقافية، و يضطلع بمسؤولية التعريف بالأقاليم الجنوبية و الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة، غير أن المتتبع لمسارها اليوم يلاحظ تراجعاً في حضورها المهني، مقارنة بما بصمت عليه خلال سنواتها الأولى، خصوصاً في عهد مديرها السابق الداع محمد الاغظف، حين كان للقناة حضور صحفي لافت، و كانت كفاءاتها قادرة على مواكبة محطات و تظاهرات مهمة بإنتاجات إعلامية تعكس خصوصية المنطقة، و تستثمر اللهجة الحسانية باعتبارها رافداً أساسياً من روافد هويتها التحريرية ، بل و صنع لها الراحل قيمة بين بقية المؤسسات.

اليوم، يبرز سؤال مشروع حول ما آلت إليه هذه التجربة: أين اختفى الخط التحريري الذي يمنح القناة شخصيتها؟ و لماذا أصبحت مديرية الأخبار بالقناة الأولى تبدو في مناسبات متعددة، و كأنها طوق نجاة لتغطية أحداث كان من المفترض أن تكون كفاءات قناة العيون في صلب مواكبتها؟

إن الإشكال لا يكمن في التعاون بين قنوات الشركة الوطنية للإذاعة و التلفزة، فهو أمر مطلوب و محمود، بل في تحوّل هذا التعاون، حين يتكرر على حساب الكفاءات المحلية، إلى مصدر للتساؤل حول طريقة تدبير الموارد البشرية و مدى الثقة في الطاقات التي راكمت سنوات من الخبرة داخل القناة.

و الأكثر إثارة للقلق هو ما يتردد بشأن مقترحات مهنية تقدم بها صحفيون لتطوير المحتوى و إنتاج مواد إخبارية و روبورتاجات ذات قيمة مضافة، دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ، و هو ما قد يفسر حالة فتور و فقدان للحماس لدى بعض العاملين، بعدما تراجعت فرص المبادرة و أصبح الروتين يهدد روح الإبداع الصحفي، فالكفاءات التي لا تجد من ينصت إليها، و لا من يمنحها فرصة تحويل أفكارها إلى مشاريع، قد تتحول تدريجياً إلى طاقات معطلة، في وقت تحتاج فيه المؤسسة إلى تعبئة جميع مواردها.

أما على مستوى الدفاع عن الوحدة الترابية، فإن مسؤولية القناة تتجاوز نقل الأخبار إلى إنتاج خطاب إعلامي مهني و استباقي، قائم على الدقة و التوثيق و القدرة على مواجهة الحملات المعادية بالحجة و المعلومة و في هذا السياق، تثير واقعة مرور شاعر منتمي إلى جبهة البوليساريو في أحد البرامج التي بثتها القناة تساؤلات بشأن آليات التحقق من الضيوف و مسؤولية الإعداد و التحرير، بما يستدعي توضيح ملابسات الواقعة و تقييم المسؤوليات، وترتيب الجزاءات وفق معايير مهنية واضحة.

إن الدفاع عن القضية الوطنية لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل بإعلام قوي و مبادر، يمتلك رؤية تحريرية واضحة، و يستثمر كفاءاته، و يعرف كيف يخاطب الجمهور و يواكب التحولات.

إن ما تحتاج إليه قناة العيون اليوم ليس مجرد تغيير في الوجوه، بل مراجعة حقيقية لأسلوب التدبير، و إعادة الاعتبار للكفاءات المحلية، و فتح المجال أمام المبادرات الصحفية، و ربط المسؤولية بالمحاسبة، و وضع استراتيجية تحريرية إنتاجية تعيد للقناة حضورها و تأثيرها.

“المشكلة ليست في غياب الكفاءات، بقدر ما تكمن في غياب البيئة التي تسمح لها بالعمل والإبداع…” يفول احد اطر القناة و إذا استمر هذا الخفوت، فإن الخسارة لن تقتصر على القناة وحدها، بل ستمتد إلى إعلام جهوي يفترض أن يكون في طليعة المدافعين عن الهوية الوطنية و الوحدة الترابية، و أن يعكس غنى الأقاليم الجنوبية و تطلعات سكانها.

و يبقى السؤال: هل ستستعيد قناة العيون روح البدايات، أم سيستمر تراجعها في ظل غياب رؤية تحريرية وانتاجية واضحة، و تهميش الطاقات التي يفترض أن تشكل عماد قوتها؟

admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *