العمل النقابي بالمغرب في مفترق الطرق: عندما تتحول النقابات من صوت للموظفين إلى صدى للأحزاب!

العمل النقابي بالمغرب في مفترق الطرق: عندما تتحول النقابات من صوت للموظفين إلى صدى للأحزاب!

محمد هنشيش
الكاتب العام للمنظمة الديمقراطية الوكالة الحضرية

لم تعد أزمة العمل النقابي بالمغرب مجرد أزمة نتائج أو تعثر في الحوار الاجتماعي، بل أصبحت أزمة هوية ومصداقية واستقلالية. فالسؤال المطروح اليوم لم يعد فقط: ماذا حققت النقابات للموظفين والمستخدمين؟ بل أيضاً: هل ما زالت بعض النقابات تمثل صوت الشغيلة، أم تحولت إلى امتداد للحسابات السياسية والحزبية، على حساب المطالب المهنية والاجتماعية؟

إن المتأمل في واقع الممارسة النقابية يلاحظ مجموعة من الاختلالات، أبرزها ضعف الديمقراطية الداخلية، واحتكار المسؤوليات، واستمرار بعض القيادات لعقود طويلة دون تداول حقيقي أو تجديد للنخب، وكأن المسؤولية النقابية أصبحت امتيازاً دائماً بدل أن تكون تكليفاً مرتبطاً بالمحاسبة. فكيف يمكن لنقابات تطالب بالديمقراطية وتكافؤ الفرص داخل المؤسسات، أن تعجز عن تكريس هذه المبادئ داخل هياكلها التنظيمية؟

ولا تقل إشكالية العلاقة بين العمل النقابي والأحزاب السياسية خطورة عن ذلك، خاصة عندما يتجاوز التنسيق والتقاطع في المرجعيات حدودَه إلى التبعية السياسية والتنظيمية. ففي بعض الحالات، تصبح مواقف النقابات انعكاساً للمواقف الحزبية، حتى عندما يتعلق الأمر بانتقاد اختيارات حكومية أو المطالبة بتصحيح اختلالات داخل قطاعات تشرف عليها أحزاب تربطها بهذه النقابات علاقات سياسية.

وهنا تبرز مفارقة أساسية: كيف يمكن لنقابة أن تمارس ضغطاً حقيقياً على حكومة أو قطاع حكومي عندما تتعارض المطالب المهنية مع الحسابات السياسية لحلفائها؟ وكيف يمكنها أن تظل قوة اقتراح واحتجاج ومراقبة، إذا كانت بعض مواقفها محكومة باعتبارات تتجاوز مصالح الموظفين والمستخدمين؟

إن هذا التداخل بين السياسي والنقابي يضعف استقلالية القرار، ويجعل عدداً من المطالب الاجتماعية رهينة التوازنات الحزبية، بدل أن تكون موضوعاً للتفاوض الجاد والمسؤول. كما يحد من قدرة النقابات على مواجهة مظاهر الريع والولاءات وتضارب المصالح، والدفاع عن مبادئ الشفافية والكفاءة والاستحقاق وربط المسؤولية بالمحاسبة.

ويشكل قطاع إعداد التراب الوطني والتعمير مثالاً واضحاً على كلفة تعثر المرافعة النقابية، حيث لا يزال مستخدمو الوكالات الحضرية ينتظرون، منذ ما يقارب خمسة وعشرين سنة، إخراج نظام أساسي يستجيب لانتظاراتهم ويضمن الإنصاف والتحفيز والاستقرار المهني، رغم تعاقب الحكومات والوزراء والمسؤولين. وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول موقع هذا الملف في أجندة الحوار الاجتماعي، ومدى نجاعة الترافع النقابي بشأنه.

إن استمرار مثل هذه الملفات لا يمكن فصله عن أزمة الفعل النقابي، خاصة عندما تتراجع استقلالية القرار وتتقدم الحسابات السياسية على المطالب المهنية. فالنقابة التي لا تستطيع الدفاع عن مطالب منخرطيها باستقلالية وجرأة، تفقد تدريجياً ثقة الشغيلة ومصداقيتها التمثيلية.

واليوم، أمام مرحلة سياسية جديدة وما تعرفه المملكة من تحولات استراتيجية وتنموية، تبرز الحاجة إلى إعادة الاعتبار للعمل النقابي باعتباره شريكاً مؤسساتياً في الإصلاح، وقوة مستقلة في الدفاع عن الحقوق والمكتسبات. فالمغرب يحتاج إلى أحزاب سياسية قوية بمصداقيتها، ونقابات قوية باستقلاليتها، ومؤسسات عمومية قائمة على الكفاءة والاستحقاق والإنصاف.

ولذلك، فإن إصلاح العمل النقابي يقتضي القطع مع منطق الزعامات الدائمة، وإقرار التداول الديمقراطي على المسؤوليات، وتحديد الولايات الانتدابية، وتجديد القيادات، وإشراك الشباب والكفاءات، وضمان استقلالية القرار النقابي، وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل الهياكل التنظيمية نفسها.

فليس من المقبول أن تطالب النقابات بمحاربة الفساد وتكافؤ الفرص داخل الإدارة، بينما لا تفتح نقاشاً جدياً حول ديمقراطيتها الداخلية وطرق تدبير مسؤولياتها. كما لا ينبغي أن تتحول المسؤولية النقابية إلى وسيلة للحصول على الامتيازات أو المواقع، أو إلى امتداد لحسابات حزبية ضيقة.

إن النقابة ليست ملكاً لأمينها العام، ولا امتداداً لحزب سياسي، بل مؤسسة للترافع والدفاع عن الحقوق والكرامة والعدالة الاجتماعية. واستعادة الثقة فيها تمر عبر استقلالية مواقفها، وديمقراطية تنظيمها، وتجديد قياداتها، ووفائها لقضايا الموظفين والمستخدمين.

فإما أن يستعيد العمل النقابي بالمغرب استقلاليته ومصداقيته ودوره التاريخي، وإما أن يظل أسير حسابات ضيقة تفرغه من رسالته، وتجعله جزءاً من الأزمة بدل أن يكون جزءاً من الحل.

admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *