طنجة… مجمع البحرين…  ليلة روحية للطريقة القادرية البودشيشية، برئاسة شيخ الطريقة سيدي معاذ، احتفاءً بالفتح الرباني لمغربية الصحراء

طنجة… مجمع البحرين…   ليلة روحية للطريقة القادرية البودشيشية، برئاسة شيخ الطريقة سيدي معاذ، احتفاءً بالفتح الرباني لمغربية الصحراء

 

 

**مقدمة**

في مساء السبت 6 دجنبر 2025، تلألأت طنجة بأنوار الذكر وهي تحتضن لقاءً روحيًا كبيرًا للطريقة القادرية البودشيشية، احتفاءً بالفتح الرباني لمغربية الصحراء وتثمينًا للنعمة الوطنية التي يعيشها المغرب في ملف وحدته الترابية.

لم يكن هذا اللقاء مجرد نشاط ديني، بل كان حدثًا يربط الأرض بالسماء، ويجمع السياسة بالحكمة، ويعيد إلى الواجهة العمق الروحي الذي تتميز به الزوايا المغربية منذ قرون.

وإذا كانت طنجة تُلقَّب بعروس الشمال، فهي في هذه الليلة تجلّت بصورتها الأعمق:

مجمع البحرين؛ الموضع الذي يلتقي فيه البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلسي، كما تلتقي في رمزيته القرآنية أنوار العلم الظاهر بأنوار العلم الباطن، في إشارة إلى قصة موسى والخضر عليهما السلام.

وهكذا بدا اللقاء كأنّه اجتماع بين بحرين: بحر الشكر السياسي وبحر السكينة الروحية.

اجتمع المئات من مريدي الطريقة ومحبي السلوك الصوفي من مختلف جهات المغرب ومن أقطار إفريقية شقيقة، في حضرة الشيخ معاذ القادري البودشيش، سليل السلسلة التربوية التي تمتد من الشيخ حمزة والشيخ جمال الدين قدس الله أسرارهم، ليعيشوا ليلة تعبق بالذكر والرحمة والمحبة.

**المحور الأول : طنجة… مجمع البحرين بين الفتح الرباني والنعمة الوطنية
كان اختيار طنجة لهذه التظاهرة الروحية اختيارًا ذا معنى.**

فهي مدينة التقاء البحرين، وفي التراث الصوفي هي رمز لمجمع الحكمة والمعرفة، حيث يبدأ السلوك الصادق، وحيث تُطوى المسافات بين الظاهر والباطن.

في هذه الليلة التأمت رمزية المكان مع معنى الحدث، فامتزج الذكر بالشكر، والروح بالوطن.

افتتحت الليلة بتلاوات قرآنية وأذكار ربانية، أحاطت المكان بهدوء عميق وكأنّ النفوس تُعاد صياغتها على إيقاع الآيات.

كان الحضور يستشعر أن الفتح الوطني ليس مجرد انتصار سياسي، بل هو عطاء إلهي، وأن السكينة التي يعيشها المغرب في ظل قيادته الرشيدة هي من تمام نعم الله على البلاد.

**المحور الثاني:الشيخ معاذ القادري البودشيش… امتداد سر تربوي وميراث من الهداية.**

ظهر الشيخ معاذ القادري البودشيش في هذا اللقاء بهدوئه المعروف، متابعًا خطى جده القطب الرباني سيدي حمزة ووالده الشيخ جمال الدين.

فقد نشأ في أجواء الزاوية بمداغ، وخدم أهل الله صغيرًا قبل أن يخدمهم كبيرًا، وحضر أنفاس الذكر ودقائق التربية منذ نعومة أظفاره.

لم يكن الشيخ يومًا طالبًا للظهور أو الشهرة، لأن السر — كما هو معروف عند أهل الطريق — لا تزيده الكثرة ولا تنقصه القلة.

ولذلك جاء حضوره رسالة صامتة مفادها أن الطريق ما تزال ممتدة، وأن التربية الروحية باقية ما بقي في الدنيا من يفتش عن الله بقلب صادق.

وأشار عدد من العلماء، إلى أثر الشيخ في نشر التواضع والسلوك السني ونكران الذات، وهو ما يعكس أصالة المنهج البودشيشي واستمرارية سره.

**المحور الثالث : التصوف المغربي… تربية على الأخلاق ودبلوماسية ناعمة**

أكد اللقاء الدور المتجدد للطرق الصوفية في تعزيز ثوابت الأمة والوقوف خلف قضاياها الكبرى.

فقد شددت كلمات الطريقة على أن دعم الخط الدبلوماسي المغربي هو جزء من شكر النعمة، وأن الزوايا كانت دائمًا سندًا للدولة ومرافئ للسلم الروحي والاجتماعي.

إن التصوف الأصيل، كما أشار المتحدثون، ليس جدلًا ولا ادعاء، بل هو تربية على المحبة والسكينة، وتعليم للإنسان أن يرى نفسه مقصرًا مهما بلغ، وأن يتواضع أمام خلق الله.

وفي السياق نفسه، يساهم التصوف في ما يعرف بالدبلوماسية الموازية، من خلال قوته الناعمة وقدرته على جمع الناس على القيم الإنسانية والروحية الجامعة.

وفي هذا الإطار يبرز حضور الزاوية في المدن الكبرى كتعبير عن استمرار حضورها التربوي والديني، وحرصها على أداء رسالتها بما ينسجم مع الثوابت الدينية والسياسية للمملكة.

**المحور الرابع : الحضور الإفريقي… أنفاس متجددة على طريق المحبة**

كان من أهم سمات هذه الليلة الروحية الحضور الإفريقي القوي، من مالي والسنغال وموريتانيا وغيرها من الدول.

وقد قدم عدد من الضيوف شهادات مؤثرة حول أثر الطريقة البودشيشية في ترسيخ السلوك الروحي المعتدل في إفريقيا.

هذا الحضور ليس طارئًا، فهو امتداد لعلاقة تاريخية عميقة تربط المغرب بعمقه الإفريقي عبر التصوف، الذي كان عبر القرون جسرًا للمحبة والتعارف والتعليم.

وفي تلك الليلة شعر الجميع أن طنجة، مجمع البحرين، تحولت إلى مجمع للقلوب أيضًا، حيث تذوب الفواصل الجغرافية في حضرة الذكر.

**خاتمة**

اختتم اللقاء بالدعاء الصالح لأمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وللوطن، ولسائر بلاد المسلمين، في تقليد يرمز إلى تجديد الولاء والوفاء، ويؤكد استمرار الرابط الروحي العميق بين الزوايا والمشروعية الدينية للمملكة.

لم تنته الليلة بانتهاء فقراتها، لأن الأثر الذي تركته في النفوس سيظل ممتدًا.
فقد كانت ليلة تشبه المعراج القلبي، ينتقل فيها العبد من ظاهر الأشياء إلى باطنها، ومن ضجيج الدنيا إلى سكينتها، ومن حب الأرض إلى حب من خلق الأرض.

وهكذا كتبت طنجة صفحة جديدة من تاريخها الروحي بوصفها مجمع البحرين؛

موضع التقاء الأنوار، ومرفأ الباحثين عن السكينة، وفضاء يؤكد أن المغرب،

في ظل قيادته الروحية والسياسية، قادر على الجمع بين المحبة والوحدة،

وبين الذكر والوعي، وبين الفتح الوطني والفتح الرباني.

✍️، البيضاء، عبدالفتاح العقيلي

admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *