حين يصبح حبّ الظهور الروحي آفةً خفيّةً خطيرة :قراءة في حكمة لابن عطاء الله السكندري

ذ. أعنينو فاضل
تُعَدّ الحكمة الحادية والستون بعد المائة من حِكَم الإمام ابن عطاء الله السكندري من دقائق التربية السلوكية، لما تنطوي عليه من تشخيصٍ عميق لآفةٍ خفيّةٍ من آفات القلوب، قلّ من ينتبه إليها، وهي حبّ الظهور الروحي.
يقول ابن عطاء الله رحمه الله: *«استشرافُك أن يَعلَمَ الخلقُ بخصوصيّتِكَ دليلٌ على عدمِ صدقِكَ في عبوديّتِكَ»*
يتوجّه هذا القول، في جوهره، إلى أهل السلوك وأصحاب الأحوال، إذ يكشف أن أخطر ما يواجه السالك في طريقه إلى الله ليس المعصية الظاهرة، بل تسلّل النفس الخبيثة إلى ميادين القرب، ومحاولتها *اقتناص نصيبٍ من الاعتبار أو التميّز الروحي* .
فالاستشراف الذي تشير إليه الحكمة هو تشوّفٌ داخليّ، وميلٌ قلبيّ لأن يَعلم الناس بما يعتقده المرء لنفسه من خصوصية، أو مقام، أو قربٍ من الله. وهنا تكمن خطورة هذه الآفة؛ لأنها تتستّر بثوب الصلاح، وتظهر في صورة الحرص على الخير، بينما حقيقتها طلبُ الحظّ للنفس، والسعي الخفيّ إلى لفت أنظار الناس.
وفي ميزان التربية الصوفية، *الخصوصية الحقيقية ليست مما يُعرَض، ولا مما يُنتظَر له اعتراف، ولا مما يُدعَّم ببيانات أو توقيعات،* بل هي سرٌّ بين العبد وربه، متى خرج إلى دائرة النظر الاجتماعي فقد فقد صفائه وصدقه. ولهذا شدّد أهل الطريق على كتمان الأحوال والأسرار، وعدّوا الشهرة امتحانًا لا علامة قبول.
وفي هذا السياق، يقول سيد الطائفة الصوفية الجنيد : «الإخلاص سرٌّ بين الله وبين العبد، لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده.»
فإذا كان الإخلاص سرًّا، فإن حبّ الظهور هو إفشاءٌ لهذا السر، أو رغبةٌ في إشراك الخلق في ما لا يليق إلا بالله. ولهذا كان الجنيد يحثّ على التحرّر من كل علاقة تُنازع العبودية صفاءها،
فقال: *«كونوا مع الله بلا علاقة.»*
أي بلا تعلّق بنظر الناس، ولا انتظارٍ لتزكيتهم أو اعترافهم.
وتنتهي الحكمة إلى تقرير مبدأٍ تربويٍّ بالغ الدقّة، وهو أن *صدق العبودية يُقاس بمدى استغناء القلب عن شهادة الخلق.* فمن استراح إلى الخمول، واطمأنّ إلى أن يكون معروفًا عند الله ولو جُهِل عند الناس، فقد اقترب من حقيقة العبودية.
أمّا من فرح بأن يُشار إليه، أو حزن إن لم يُلتفت إليه، فذلك دليل بقاء النفس في أدنى مراتبها، مهما كثر الالتفات إليه.
*وقد لخّص الجنيد هذا المعنى بكلمته الجامعة: «أخملُهم ذكرًا أرفعُهم قدرًا.»*
إنها تربيةٌ تُعيد ترتيب البوصلة الداخلية للسالك، وتذكّره بأن الطريق إلى الله لا يُقاس بالظهور، ولا بالتصفيق، ولا بالشعارات، ولا بالتوقيعات، بل بصدق الخفاء، وسلامة القصد، وتحرير القلب من حبّ أن يُرى ويُعرف.
وفي زمنٍ تضخّمت فيه الأنا، وتداخل فيه الخطاب الروحي مع منطق العرض والتسويق، تأتي هذه الحكمة لتُنبّه أهل السلوك إلى أن أخطر الانحرافات ليست تلك التي تُرتكب في العلن، بل تلك التي تتسلّل إلى القلب في صورة نور، وهي في حقيقتها ظلّ النفس.
ولهذا حذّر أرباب التربية من صحبة من غلب عليه حبّ الظهور، لأن أثره لا يقف عند حدّ نفسه، بل يتعدّاه إلى غيره ؛ وقالوا: *الشيخ المربّي الحقيقي هو الذي لا يدّعي لنفسه مقامًا ولا حالًا، بل يدفن نفسه في أرض الخمول، ويظهر سرّه في تربية مريديه، لا في تعظيم ذاته.*
فهذا ميزانٌ دقيق من موازين الطريق… فافهم.

ولهذا يعد الحاج معاذ البوتشيشي من الشيوخ الذين شربو من الحكم العطائيك عبر التربية الروحية فتميز بصمته وابتعاده عن حب الظهور سواء عن طريق الإعلام أو غيرها إذ لكل مقام مقال.
الصور الشيوخ الزاوية البوتشيشية سابقا
والشيخ الحالي الحاج معاذ بن جمال الدين البوتشيشي

