سيكولوجية التصنع: قراءة في الميز القيمي والاغتراب الواقعي عبر الشاشة

سيكولوجية التصنع: قراءة في الميز القيمي والاغتراب الواقعي عبر الشاشة

بقلم: يوسف باجا
أخصائي نفسي ومعالج إكلينيكي

​بصفتنا ممارسين في حقل الصحة النفسية، لا ننظر إلى البرامج التلفزيونية كمجرد مواد للترفيه، بل كرسائل إيحائية تساهم في تشكيل الإدراك الجمعي وتوجيه السلوك الاجتماعي. إن ما نلاحظه من “ميز” وتفضيل فئة على أخرى يضعنا مباشرة أمام “نظرية الصراع الطبقي” في أبعادها المعاصرة؛ حيث تتحول الشاشة إلى ساحة لما يسميه عالم الاجتماع بيير بورديو “العنف الرمزي”. هذا النوع من العنف يفرض قيم فئة معينة و”برستيجها” المصطنع كمعيار وحيد للرقي، مما يؤدي تلقائياً إلى تبخيس الهويات الشعبية والعفوية (كوبل طنجة نموذجاً) وتصويرها كأنها “أقل شأناً” في سلم التراتبية الاجتماعية.
​وعند تشريح هذه السلوكيات، نجد تقاطعاً حاداً بين الصراع الاجتماعي والاضطرابات الشخصية كما يصفها الدليل التشخيصي الديناميكي النفسي (PDM-3). فالتكبر وجنون العظمة (Paranoia) يظهران هنا كآليات دفاعية بدائية؛ إذ يعكس جنون العظمة حالة من الريبة والعدائية تجاه “الآخر” المنافس، حيث يتم إسقاط الصراعات الطبقية الداخلية على المنافس لتبرير تحقيره وعزله. هذا النمط التشخيصي يشير إلى “مستوى تنظيمي” هش للشخصية يعتمد على تضخيم الذات (Grandiosity) كدرع واقٍ لحماية هوية متصدعة لا تتحمل الندية الاجتماعية أو الاختلاف الثقافي.

​هذا التضخم في الأنا يرافقه بالضرورة ما نسميه في علم النفس الاجتماعي “المقارنة الاجتماعية التصاعدية الزائفة”، والتي تتجلى في تفاصيل رمزية مثل “الطبخ بالقفازات”. من منظور إكلينيكي، هذا ليس سلوكاً صحياً، بل هو “تصنع دفاعي” يهدف لخلق مسافة طبقية متوهمة. إنه نوع من الاغتراب عن الذات (Self-Alienation)، حيث يضحي الفرد بتلقائيته وارتباطه الحسي بالواقع مقابل الحفاظ على “قناع اجتماعي” (Persona) يرضي معايير البرنامج الاستهلاكية. هذا الاغتراب يولد ضغطاً نفسياً مزمناً، لأنه يضع الفرد في صراع دائم بين حقيقته البسيطة وبين الصورة “النخبوية” التي يحاول تمثيلها.

​إن خطورة هذه البرامج تكمن في “تسطيح الوعي” وتمرير رسائل طبقية إقصائية تعلي من شأن “المظاهر” على حساب النضج الشخصي. وبدلاً من تعزيز الذكاء العاطفي وقيم التواجد الإنساني المشترك، نجد أنفسنا أمام نماذج تكرس الهيمنة الرمزية. إننا بحاجة ماسة اليوم إلى محتوى إعلامي يحترم ذكاء المتلقي، ويعزز الصحة النفسية عبر ترسيخ قيم الاستحقاق المبني على الكفاءة النفسية والوجدانية، بعيداً عن عقد الاستعلاء وتمثلات الصراع الطبقي التي تفتقد لروح التماسك الوطني والاجتماعي.

admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *