الوزير كشماعة: من انهيار الوهم إلى صناعة الخصم

الوزير كشماعة: من انهيار الوهم إلى صناعة الخصم

* عبد الفتاح العقيلي  أستاذ جامعي

ما أقسى أن يبني الإنسان يقينا كاملا على وعدٍ ممتد، ويتضخم عبر السنين حتى يتحول إلى عقيدة داخلية، ثم يصطدم صاحبه في لحظة الحقيقة بأن ما كان يراه “حتمًا تاريخيًا” لم يكن سوى سراب مُصطنع، صاغته التوقعات أكثر مما صاغته الوقائع. عندها لا يكون الانكسار مجرد خيبة، بل سقوطًا لبنية ذهنية كاملة تشكّلت خارج اختبار الواقع.

وهكذا تبلورت داخل أصوار الطريقة القادرية البودشيشية صورةٌ وهمية مُغلقة امتدت لعقود: أن المشيخة محسومة سلفًا لشخص بعينه، بوصفه الامتداد الطبيعي والوحيد للسلسلة الروحية. ومع تراكم الزمن، لم يعد هذا مجرد احتمال رمزي، بل تحوّل إلى “يقين مُصنّع”، أعاد تشكيل الوعي الجمعي داخل دائرة ضيقة، حتى صار المستقبل كله يُختزل في انتظار اسم واحد، لا في شروط التربية والتحقق التي بها تُقاس المقامات في الأصل.

والأدهى من ذلك أن هذا البناء لم يبق في مستوى التداول الشفهي، بل جرى تثبيته عبر نصوص ووصايا منتزعة صيغت وكأنها تُنهي النقاش قبل أن يبدأ، وتغلق باب الاحتمال باسم “الشرعية المكتوبة”. وهي مفارقة صارخة في منطق التصوف نفسه، حيث لا تُمنح المشيخة بالورق ولا تُورَّث بالاسم، بل تُختبر بالحال، وبالأثر، وبما يفرضه الحضور الروحي من قبول أو سقوط. لكن حين تُستبدل التجربة الحية بالوثيقة، يتحول المعنى من مسارٍ تربوي إلى ترتيب إداري جامد، قابل للتوظيف أكثر مما هو قابل للتحقق.

ثم تراكم هذا المسار حتى بدا وكأنه محاولة متعمدة لتجميد الغيب داخل صيغة مغلقة، وإقفال المستقبل بمنطق التعيين المسبق، في تعارض واضح مع أبسط بدهيات التربية الصوفية التي لا تعترف بالاستحقاق الورقي، بل بالتحقق الفعلي في الميدان. وهنا تتكشف الأزمة الحقيقية: صدام بين واقع لا يُدار إلا بالامتحان، وبين خطاب يريد أن يحسم الامتحان قبل وقوعه، ويطلب من الزمن أن يوافق على ما قُرر عنه مسبقًا.

ومن هذا الباب النفسي تحديدًا يمكن فهم وتفكيك التحقيق المطول الذي نُشر في جريدة “الصباح” حول الطريقة القادرية البودشيشية يوم الجمعة 5 يونيو 2026، وما تضمنه من هجوم حاد ومباشر على وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق. فالظاهر أن الوزير هو الهدف المباشر، لكن القراءة الأعمق تكشف أن الأمر يتجاوز الشخص إلى وظيفة “الشماعة” التي يُعلّق عليها انهيار سردية كاملة فقدت توازنها الداخلي بعد أن اصطدمت بالواقع.

فعندما تتحول مشيخة روحية يُفترض فيها السكينة إلى مادة صراع إعلامي مفتوح، وتُسخَّر الصحف والمنابر لإعادة تدوير رواية دفاعية مشحونة، ويُقدَّم وزير الأوقاف بوصفه الخصم المركزي، فإن السؤال لا يعود: ماذا فعل الوزير؟ بل يصبح: لماذا يحتاج هذا الخطاب أصلًا إلى هذا القدر من الضجيج؟ ولماذا يُستدعى خصم إداري لتغطية إشكال وجودي داخل البناء نفسه؟

الجواب، في جوهره، أن الأمر لا يتعلق بخلاف مع مؤسسة أو وزير، بل بارتداد داخلي على واقع جديد لم يعد ينسجم مع التصورات القديمة. فالهجوم، مهما بدا مركزًا على شخص أحمد التوفيق، ليس إلا إعادة توجيه للصراع نحو الخارج بعد أن فشل الداخل في استيعاب التحول التاريخي الذي أطاح باليقين السابق.

ومن هنا تتحول “القضية” من نقاش في التدبير الديني إلى محاولة لإعادة إنتاج شرعية مفقودة عبر الخصومة. كأن المشكلة ليست في سقوط التوقعات، بل في ضرورة إيجاد من يُحمَّل مسؤولية هذا السقوط، ولو كان خارج منطق تكوينه أصلاً.

وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن الالتفاف عليه: إذا كانت تلك الوصايا حاسمة بهذا القدر، فلماذا لم تُنتج قبولًا واسعًا داخل القاعدة المريدية في الداخل والخارج؟ ولماذا ظهرت فجوة واضحة بين النص وبين التلقي الفعلي في الواقع الحي؟ الجواب ببساطة أن الشرعية الصوفية لا تُستمد من الوثيقة، بل من التجربة، ولا تُفرض بالتصريح، بل تُختبر بالمعاينة.

ولم يتوقف الأمر عند حدود التباين، بل تطور في بعض مراحله إلى خطاب تصادمي يُقحم المؤسسة الدينية والدولة في قلب نزاع رمزي لا يخدم إلا تعقيد الأزمة. وهنا يصبح من الضروري التمييز بين النقد المشروع وبين تحويل الخلاف الداخلي إلى مواجهة مفتوحة مع مؤسسات سيادية، وهو مسار لا يعكس منطق السلوك الصوفي بقدر ما يعكس ارتباكًا في إدارة الانكسار.

غير أن الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن الوزير، في نهاية المطاف، لم يصنع هذا المسار، ولم يكن هو من أنتج هذا الانتظار الطويل، ولم يحول الوصايا إلى يقين نفسي متجذر في عقول أصحابها. ومن ثم فإن تحميله عبء الانهيار كله ليس سوى محاولة لتصدير الأزمة إلى الخارج بدل مواجهتها في أصلها الداخلي.

فالمأزق الحقيقي أن حلمًا ممتدًا انهار عند لحظة الاختبار. ومن تربى على رؤية العالم من خلال نافذة واحدة، يجد نفسه مضطرًا إلى مواجهة حقيقة قاسية: أن النافذة لم تعد تؤدي إلى ما كان يتوقعه. لذلك تتكاثر الخطابات، وتشتد النبرات، ويُعاد إنتاج السرديات، لا لأن الواقع تغير، بل لأن الوعي بسقوطه لم يكتمل بعد.

وهنا يكتسب التعبير الشعبي بعده الرمزي: “رقصة الديك المذبوح”. ليس بوصفه حكمًا على أشخاص، بل توصيفًا لحالة اهتزاز عنيف بعد لحظة الحسم، حين تستمر الحركة بلا قدرة على إعادة إنتاج المعنى الذي كان يبررها.

وفي النهاية، لا تُبنى المشيخة بالوصايا، ولا تُستعاد بالضجيج، ولا تُصنع بالبيانات. فالشرعية الروحية، إن كانت حاضرة، تُعرف بأثرها قبل اسمها، وتُدرك بقبولها قبل إعلانها، وإلا فإن كل ما عدا ذلك لا يتجاوز كونه محاولة لتغطية فراغ لم يعد بالإمكان إخفاؤه.

admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *