خلاصة النتائج الميدانية لرسالة الماستر التي ناقشها الطالب إبراهيم جديد أمس بالمحمدية حول موضوع : التحولات السوسيولوجية للسلوك الانتخابي في قبائل زيان

خلاصة النتائج الميدانية لرسالة الماستر التي ناقشها الطالب إبراهيم جديد أمس بالمحمدية حول موضوع
: التحولات السوسيولوجية للسلوك الانتخابي في قبائل زيان
أولاً: الأنماط السلوكية للاختيار الانتخابي (التوزيع الكمي)
لا يمكن اختزال السلوك الانتخابي في قبائل زيان في مفهوم بسيط من “الخيار الفردي المدني”، بل هو نتيجة لتفاعل معقد بين “المنطق القبلي التقليدي”، و”البراغماتية الاقتصادية والخدماتية”، و”الوعي السياسي الناشئ”، وذلك في إطار علاقات قوة متمركزة حول النخبة التقليدية. وقد أفرزت الدراسة الميدانية توزيعاً دقيقاً للأنماط السلوكية، جاءت وفق الترتيب التالي:
1. السلوك الأكثر انتشاراً: الولاء القبلي العائلي (40%).
تؤكد هذه الشريحة الأكبر أن “صوت القبيلة والعائلة” لا يزال العامل الحاسم الأقوى في دوائر زيان، رغم التحولات المجتمعية. إنه يعكس استمرار فعالية البنى الأولية والروابط القرابية في توجيه الخيار السياسي، وتجذر الوعي الجماعي العشائري رغم تقدم العصرنة.
2. السلوك الثاني: النفعية والخدمات (20.5%).
يُمارس خُمس العينة ما يُعرف بالتصويت “الزبائني/الخدماتي”، حيث يُختار المرشح الذي يضمن منافع ملموسة ومباشرة. يعكس هذا النمط هيمنة المنطق البراغماتي والاقتصادي في بيئة تفتقر إلى الخدمات الأساسية، مما يخلق سوقاً انتخابية تقوم على المساومة بين الصوت والخدمة.
3. السلوك الرابع: التصويت الحزبي الأيديولوجي (14.2%).
يمثل هذا الرقم نسبياً متواضعاً جداً، ويؤكد التهميش الكبير للأحزاب السياسية في المنطقة، وعدم قدرتها على بناء ولاءات إيديولوجية أو تعبئة جماهيرية قوية في الوسط القبلي، حيث تبقى الهوية العشائرية أقوى من الهوية الحزبية.
4. السلوك الأقل انتشاراً: الصوت المدني الواعي والاحتجاجي (10%).
على الرغم من أنها الشريحة الأقل عددياً، إلا أنها تمثل الأكثر أملًا في تطور الديمقراطية المحلية. هذه الفئة تمارس “التصويت الاحتجاجي العقابي”، وتستخدم صندوق الاقتراع كسلاح لمحاكمة الأداء السياسي، مما يعكس بوادر وعي مدني ناشئ في بيئة تسودها التقاليد.
ثانياً: ديناميكية القبيلة بين عائق للتنمية وورقة ضغط انتخابية
كشفت النتائج أن القبيلة لا تزال تُمارس دوراً مزدوجاً في الفضاء الزياني؛ فهي من جهة تعتبر “ورقة ضغط انتخابية” قوية تُستعمل من طرف الأعيان والوجهاء للمساومة مع السلطة المركزية للحصول على امتيازات خدمية. ومن جهة أخرى، تتحول إلى عائق للتنمية من خلال احتكارها للنفوذ، وعرقلتها لبروز كفاءات شابة ومستقلة، وإعادة إنتاجها الدائم لنفس النخب السياسية دون تجديد حقيقي.
ثالثاً: الناخب الزياني: نموذج هجين في حالة انتقالية (خاصية العتبة)
يتميز الناخب في قبيلة زيان بأنه يمثل حالة انتقالية فريدة (Espace de seuil)، حيث نجح خطاب المواطنة الوطنية في فرض “العقلانية المدنية” على حوالي 60% من العينة، بينما حافظت “العقلانية القبلية الجماعية” على مواقعها لدى الشريحة المتبقية (40%). تجسد هذه المفارقة حالة من التململ والتحرر السياسي الناشئ، خاصة لدى الأجيال الشابة التي بدأت تنتفض ضد الإكراه القبلي، ممارسةً استقلالية في القرار الانتخابي، رغم أن جزءاً منهم لا يزال يقع تحت تأثير ضغوط الأعيان وعادات التصويت العائلي.
رابعاً: الشباب بين المحاسبة الانتخابية والمراجعة النقدية
لقد شكّلت شريحة الشباب مختبراً للوعي السياسي الجديد، حيث أصبح يمارس “المحاسبة الانتخابية الدقيقة”، ويقوم بتقييم ذاتي للعائد السياسي من صوته، مما يضعه في خانة “الناخب العقلاني الواعي”، بغض النظر عن نتيجة قراره (سواء اختار التصويت أو المقاطعة). يكشف هذا التحول عن تبلور ما يُعرف بـ “العقلانية الفردية والليبرالية”، القائمة على تقييم الأداء البرامجي، في مقابل “العقلانية الجماعية أو التشاركية” التقليدية التي ما زالت تمارسها الأجيال الأكبر سناً (40%). وقد عبر الشباب عن إحباطهم العميق من الأحزاب، حيث رأى 49.7% منهم أنها لا تقدم سوى “وعود فارغة”، مما دفع 29.4% منهم إلى المقاطعة الغاضبة، بينما اختار 28.3% استقلالية القرار داخل صندوق الاقتراع.
خامساً: الهيكل الأبوي وإقصاء النساء من الفعل السياسي
رغم الحضور القانوني الكبير للمرأة، كشفت المقابلات النوعية والبيانات أن مشاركتها السياسية الميدانية لا تزال رهينة “السلطة الأبوية”. حيث كشفت النتائج أن 50% من النساء ما زلن يخضعن لتوجيهات “ولي الأمر” في قرارهن الانتخابي، ويعانين إقصاءً واضحاً يتمثل في عدم ترشيحهن للانتخابات التشريعية من قبل البنى القبلية، مما يعكس صمود الهيكل الأبوي الذكوري في توجيه الخيار السياسي للنساء وحجب فرص التمثيل الحقيقي عنهن.
سادساً: أزمة الثقة العميقة وإعادة إنتاج الهشاشة السياسية
النتيجة الأكثر خطورة التي فضحها البحث، هي أزمة الثقة العميقة تجاه المؤسسات الحزبية. هذه الأزمة باتت تُبرر ظاهرة “المقاطعة الاختيارية” لدى شريحة لا يستهان بها من المواطنين، مما يحول دون تحقيق التمثيل الشعبي الحقيقي.
يمارس الناخب الزياني في هذه الأجواء ملامسة للحداثة من خلال وعيه بالبرامج وبضرورة معاقبة الفاشلين؛ إلا أنه يسقط في شراك التقليد عبر هيمنة الأعيان، وفي فخ الهشاشة عبر الرشوة وشراء الأصوات، وفي خانة الإقصاء عبر تهميش المرأة والشباب. كما تعزز هذه الممارسات ظواهر التوريث الانتخابي والإعادة المملة للعملية الانتخابية دون تحقيق أي انفراج اجتماعي أو رفع فعلي للمستوى الاقتصادي والمعيشي في منطقة زيان.
الاستنتاج النهائي (المعادلة الاجتماعية في قبيلة زيان)
تكشف النتائج عن تناقض جوهري في البنية الانتخابية الزيانية؛ فهي تجمع بين إرادة الوعي المدني (المتمثلة في 60% العقلانية المدنية ونسبة الشباب الناقد)، وممارسات التقليد والهيمنة (المتمثلة في 40% الولاء القبلي وسلطة الأعيان). إن تقدم الوعي لا يضمن تلقائياً تجاوز الممارسات الزبائنية والخدماتية، مما يجعل قبيلة زيان نموذجاً حياً للتحولات السوسيولوجية المعقدة في المغرب المعاصر، حيث تتصارع الرغبة في التغيير مع مقاومة البنى التقليدية العنيدة.

