في الإذن والسند والاستقامة أسئلة لم يطرحها صاحب المقال وأجوبة لا يملك لها ردًّا

البيضاء، عبدالفتاح العقيلي
أستاذ بجامعة الحسن الثاني
ردًّا على مقال «علامة الإذن: التيسير والتمكين وآفة الادعاء: الكسوف والتعطيل«.
قرأنا المقال المنسوب إلى المسمى: محمد الهاطي بما يستحقه من اهتمام وتأنٍّ، فوجدنا فيه جهدًا بيانيًّا لا يُنكر، وحشدًا من المصطلحات الأكاديمية والاستشهادات الصوفية ما يوحي بأن صاحبه يتكلم من مقام العلم والتحقيق؛ غير أن المقال — حين يُوضع على ميزان الفحص الهادئ — يكشف عن فجوات جوهرية لا تملؤها البلاغة ولا يسترها التنميق، ويطرح من الأسئلة أكثر مما يُجيب عنها، وهذا الرد ليس سجالاً ولا مبارزة، بل محاولة لوضع الأمور في نصابها من حيث أهملها صاحب المقال — عن قصد أو عن غفلة.
الوصية والسند: درسٌ من تاريخ الطريقة نفسها
يُصرّ صاحب المقال على أن الإذن بالتربية واستقلال المشيخة لا يثبت إلا بسند معتبر شرعًا عن طريق «إجازة ووصية مكتوبة صريحة صحيحة»، ويعتبر أن كل ما عدا ذلك تلميحٌ وتلفيق وتدليس، وهذا كلام لا نختلف معه في أصله — بل نقبله ونبني عليه؛ لكننا نسأل صاحبه أن يتأمل تاريخ هذه الطريقة المباركة نفسها بعين الإنصاف لا بعين الانتصار.
حين أوصى سيدي الحاج العباس رحمه الله لسيدي حمزة بالمشيخة، لم يعترض أحد، والسبب واضح: الوصية وقعت على رجل كانت استقامته ظاهرة وباطنة، وكان سلوكه شاهدًا على أهليته قبل أن تشهد الوصية، فقبلتها القلوب قبل أن تقرأها العيون.
وحين أوصى سيدي حمزة رحمه الله لسيدي جمال، لم يعترض أحد كذلك، لأن سيدي جمال كان من أهل الخُلق والتواضع والخدمة، وكانت سيرته بين المريدين سيرة من تربّى فعلاً على يد شيخه حتى صار أهلاً لما حُمّل، فوقعت الوصية موقع الماء على الأرض العطشى — قُبلت لأن المحلّ كان مستعدًّا.
وثمة أمرٌ يُغفل كثيرًا في هذا النقاش وهو كفيل وحده بإسقاط حجة الوصية المكتوبة من جذرها: أن سيدي الحاج العباس رحمه الله نفسه — وهو الذي لا ينازع في مشيخته أحد — لم يتولّها بوصية مكتوبة، بل كانت الوصية المكتوبة لغيره. وإنما انتقلت إليه المشيخة بنظرة ربانية ثاقبة وإذن شفوي مبارك، قبلته القلوب لأن الاستقامة أغنت عن الورقة. فمن يشترط اليوم الوصية المكتوبة شرطًا لا يقوم الإذن إلا به — إنما يطعن، من حيث لا يدري، في مشيخة سيدي الحاج العباس ذاتها.
لكن حين كُتبت وصية لمن كُتبت له بعد ذلك — وقعت الفتنة. لا لأن الناس يرفضون مبدأ الوصية، بل لأن الوصية هذه المرة وقعت على محلّ لم يكن مؤهّلاً في أعين كثير ممن عرفوه عن قرب. ولم تكن المشكلة في الحبر الذي كُتبت به الوصية، بل في السيرة التي كان ينبغي أن تسبقها. والمريدون — الذين رُبّوا على الصدق والبصيرة — لم يكونوا ليقبلوا وصية يُكذّبها الواقع الذي يعرفونه، لأن العين التي فتحها لهم التصوف هي عين التمييز لا عين التقليد الأعمى.
الوصية حين تقع على أهلها لا يعترض عليها أحد — لأن الاستقامة تُصدّقها قبل أن يُصدّقها الحبر، والوصية حين تقع على غير أهلها تُحدث الفتنة — لأن القلوب لا تُكره على قبول ما تراه العيون مُكذَّبًا بالسلوك.
الاستقامة خيرٌ من ألف وصية
وهنا نصل إلى لبّ المسألة التي تجاهلها صاحب المقال تجاهلاً تامًّا: ليست العبرة بالوصية في ذاتها، بل بمن وقعت عليه، فالوصية وسيلة لا غاية، وإناءٌ لا مضمون، والمضمون الحقيقي هو استقامة المُوصى إليه — في سلوكه وأخلاقه وتعامله مع الناس وخضوعه لله قبل خضوع الناس له.
وسيدي معاذ — الشيخ الشرعي المعيّن من طرف أمير المؤمنين — تولّى المشيخة بالطريقة ذاتها التي تولّاها سيدي الحاج العباس رحمه الله: إذن شفوي مبارك شهد عليه كبار الملازمين والمجاورين لسيدي حمزة رحمه الله ممن لا يُشك في صدقهم ولا في قربهم من الشيخ. ثم جاءه ما لم يحظَ به سيدي الحاج العباس نفسه: تزكية مولانا أمير المؤمنين. فاجتمع لسيدي معاذ ما يُثبت الإذن سلوكًا وشهادةً ونظامًا — وهو ما لم يجتمع لأحد قبله في تاريخ هذه الطريقة بهذا الوضوح.
وقد قال العارفون: «الاستقامة خيرٌ من ألف كرامة.» ونحن نقول — بنفس المنطق وبنفس الروح — إن الاستقامة خيرٌ من ألف وصية، لأن الوصية ورقة قد تُكتب لمن يستحق وقد تُكتب لمن لا يستحق، أما الاستقامة فلا تُزوَّر ولا تُلفَّق ولا يُختلف فيها حين تكون ظاهرة، والمريد الصادق يعرفها في شيخه قبل أن يسأل عن أي سند.
الوصية إناء، والاستقامة مضمون، وإناء بلا مضمون لا يُروي ظمآن — مهما كان جميل الشكل محكم الصنع.
النزعات الثلاث: مرآةٌ تعكس صاحبها
ثم إن صاحب المقال صنّف ما أسماه «خطابات التضليل» في ثلاث نزعات: التلفيقية التدليسية، والتسلطية المتعالية، والاختزالية التنميطية، ونحن لا نرفض هذا التصنيف — بل نقبله كما هو، ونسأل فقط: على مَن تنطبق هذه النزعات فعلاً حين نضعها أمام الوقائع لا أمام الخطابات؟
أما النزعة التلفيقية التدليسية، فإن التلفيق والتدليس يكون حين يُدّعى سند بلا دليل يُصدّقه الواقع، فمن الذي يمتلك اليوم وصية يُصدّقها سلوكه ويقبلها إجماع المريدين ويُثبتها قرار أمير المؤمنين؟ ومن الذي يمتلك وصية يُكذّبها واقعه ويرفضها قطاع واسع من المريدين الذين عرفوه عن قرب — حتى أن الأمر استدعى تدخل أعلى سلطة دينية في البلاد لحسم الخلاف؟ إن السند الحقيقي ليس ورقة تُرفع، بل حياة تُعاش، وحين ينفصل السند عن السلوك يتحول من حجة إلى فتنة.
وأما النزعة التسلطية المتعالية، فلنسأل بهدوء: من الذي اقتحم مسجد مداغ وعطّل فيه صلاة الجمعة وحفر أرضيته بلا ترخيص ولا مسطرة؟ ومن الذي أرسل مراسلة رسمية يطالب فيها بشطب مسجد من سجلات وزارة الأوقاف — مسجدٌ بُني بمنحة ملكية سامية وسُجّل بإرادة سيدي جمال رحمه الله؟ ومن الذي سجّل اسم الطريقة كعلامة تجارية في سجلات أوروبية — بتصنيف يتضمن ألعاب المال — دون تنسيق مع المشيخة الشرعية ولا مع وزارة الأوقاف؟ إن التسلط الحقيقي ليس أن يُطالب صاحب حق بحقه، بل أن يُصادر طرفٌ إرثًا روحيًّا جماعيًّا ويحوّله إلى ملكية خاصة في سجلات أجنبية.
وأما النزعة الاختزالية التنميطية، فإن صاحب المقال يتهم سيدي معاذ بممارسة «طقوس مكسوفة ومخسوفة»، ويستشهد بقول أبي الحسن الشاذلي رحمه الله: «من أقبل على الخلق قبل أن يؤذن بشيء وقع من عين رعاية الله.»، ولا ندري هل تأمّل صاحب المقال في هذا الاستشهاد أم ساقه ساقَ من لا يحسب عاقبة كلامه؛ لأن السؤال البديهي هو: مَن الذي لم يُؤذن له رسميًّا اليوم ويتصرف كأنه أُذن له؟ مَن الذي لا يحمل تعيينًا من أمير المؤمنين ويمارس المشيخة كأن شيئًا لم يكن؟ إن الإذن الرسمي — في المنظومة الدينية المغربية التي تقوم على إمارة المؤمنين — صدر لسيدي معاذ لا لغيره، فمن هو «المأذون له» حقًّا ومن هو «المدّعي» في ميزان هذا الاستشهاد بالذات؟
حين تُقلب المرآة، تكشف أن النزعات الثلاث التي وصفها صاحب المقال لا تصف خصمه — بل تصف معسكره هو بدقة مذهلة.
السؤال الذي لم يُطرح: أين أمير المؤمنين من هذا المقال؟
والملاحظة الأشد وضوحًا في مقال الدكتور الهاطي هي ما لم يقله، لا ما قاله، فالمقال يتحدث عن الإذن والسند والشرعية الطُّرقية — ولا يذكر ولو مرة واحدة أن أمير المؤمنين قد حسم هذه المسألة بقرار سيادي واضح لا لبس فيه، وهذا الصمت ليس سهوًا أكاديميًّا — بل هو جوهر المشكلة.
لأن منظومة التصوف في المغرب لم تكن يومًا منظومة معزولة عن إمارة المؤمنين، بل كانت الزوايا، عبر تاريخ المملكة، تعمل تحت مظلة هذه المؤسسة التي تضمن وحدة الحقل الديني واستقراره، ومن يكتب عن «الإذن» في الطريقة القادرية البودشيشية دون أن يذكر قرار أمير المؤمنين — كمن يكتب عن الماء دون أن يذكر النهر: يصف القطرات ويتجاهل المجرى، والمجرى هنا واضح: القرار صدر، والشرعية حُسمت، والمشيخة لسيدي معاذ.
فهل يُعقل أن أستاذًا جامعيًّا بجامعة مغربية، يعرف منظومة الدولة ويُدرك ثقل إمارة المؤمنين في الحقل الديني، يكتب مقالاً كاملاً عن شرعية المشيخة ولا يذكر فيه القرار السيادي؟ هل هو سهو حقًّا — أم أن ذكره يُسقط البناء كله؟
استشهاداته تنطق بغير ما أراد
وأخيرًا، لا بد من وقفة مع الاستشهادات الصوفية التي ساقها صاحب المقال، لأنها — وبحسن نية نفترضه — جاءت تخدم خصمه أكثر مما تخدمه.
يستشهد بقول سيدي أبي مدين الغوث رحمه الله: «من خرج إلى الخلق قبل وجود حقيقة دعته فهو مفتون، وكل من ادّعى مع الله تعالى حالاً ليس لظاهره منه شاهد فاحذروه.»، ونحن نقبل هذا الاستشهاد بحرفه ونسأل: مَن الذي «ليس لظاهره من حاله شاهد» اليوم؟ مَن الذي عرف عنه المريدون ما يطعن في ظاهره قبل الوصية وبعدها — حتى أفضى الأمر إلى شرخ لم تعرفه الطريقة في تاريخها كله؟ ومَن الذي ظاهره وباطنه يشهدان له بالاستقامة والتواضع والأدب؟
ويستشهد بالحكمة العطائية: «استشرافك أن يعلم الخلق بخصوصيتك، دليل على عدم صدقك في عبوديتك.»، وهذا كلام حق، فمن الذي يسعى اليوم إلى إثبات «خصوصيته» بتسجيلات تجارية في سجلات أوروبية، وبمعارك على المساجد، وبمحاولات فرض أمر واقع يتحدى القرار السيادي؟ ومن الذي لم يسعَ إلى شيء من ذلك — بل جاءه التعيين من أعلى سلطة دينية في البلاد دون أن يطلبه؟ إن الاستشراف إلى إثبات الخصوصية يكون عند من يفتقر إلى الشرعية ويحاول صناعتها — لا عند من جاءته الشرعية تبحث عنه.
حين يستشهد صاحب المقال بأقوال العارفين ليطعن في خصمه — ينبغي له أن يتأكد أولاً أن هذه الأقوال لا تنطبق على معسكره هو قبل أن تنطبق على غيره.
خاتمة
لسنا في حاجة إلى مبارزة أكاديمية ولا إلى حرب استشهادات، الوقائع أبلغ من كل خطاب، القرار السيادي صدر، والمسجد سيعاد فتحه بعد أن أثبتت اللجنة بطلان أسباب إغلاقه، والاسم المحتجز في سجلات أوروبية سيُواجَه، والمريدون الصادقون يعرفون الفرق بين من تشهد له سيرته ومن تُكذّبه — مهما رُفع من وصايا ومهما حُشد من استشهادات.
والتاريخ يشهد: حين وقعت الوصية على سيدي حمزة قبلها الجميع بلا خلاف — لأن الرجل كان أكبر من الوصية، وحين وقعت على سيدي جمال قبلها الجميع بلا خلاف — لأن الرجل كان أهلاً لها، والعبرة ليست في الورقة — بل في من تحمل اسمه، فالوصية حين تقع على محلّها لا تحتاج إلى من يدافع عنها — لأن الاستقامة تدافع عن نفسها.
أما سيدي معاذ — فقد جمع الله له ما لم يجتمع لغيره في هذا الظرف: استقامةً يشهد بها من عرفه، وتعيينًا من أمير المؤمنين يحسم الشرعية، فمن شاء أن يُناقش السند فليُناقش، ومن شاء أن يحشد الاستشهادات فليحشد، لكن الاستقامة لا تُدحض بمقال، والقرار السيادي لا يُلغى ببلاغة.
الاستقامة خيرٌ من ألف وصية، والقرار السيادي خيرٌ من ألف مقال، ومن جمع الله له الأمرين معًا — فماذا بقي لخصمه إلا الكلام؟
والله من وراء القصد.

