الإعلام العمومي بين استمرارية التدبير و تجديد المسؤولية.. أي موقع للكفاءات الوطنية في معادلة الإصلاح؟

في الأنظمة الحديثة، لا تقاس قوة المؤسسات بمدى ارتباطها بالأشخاص أو بطول مدة بقائهم في مواقع المسؤولية، و إنما بقدرتها على إنتاج النتائج، و تجديد آليات العمل، و إرساء قواعد الحكامة الجيدة التي تجعل تقييم الأداء و المساءلة جزءاً طبيعياً من دورة التدبير العمومي. لذلك، فإن استمرار مسؤولين في تدبير مؤسسات استراتيجية لسنوات طويلة يفتح نقاشاً مشروعاً حول آليات التقييم، و حدود الاستمرارية، و مدى قدرة المؤسسات على تجديد رؤيتها و استثمار الكفاءات الوطنية المتاحة.
و يكتسي هذا النقاش أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بالإعلام العمومي باعتباره مرفقاً ذا طبيعة خاصة، لا يقتصر دوره على تقديم خدمات إعلامية و ترفيهية، بل يضطلع بوظيفة مجتمعية و ثقافية و تنموية، بما يجعله أحد المؤشرات الأساسية على مستوى تطور الممارسة الديمقراطية و جودة الحكامة المؤسساتية.
و خلال السنوات الأخيرة، عرف قطاع الإعلام العمومي نقاشاً متواصلاً حول عدد من القضايا المرتبطة بالأداء العام للمؤسسات الإعلامية العمومية، سواء على مستوى الاختيارات التدبيرية أو البرمجية أو المهنية.
و قد تعزز هذا النقاش مع تعدد الملاحظات التي صدرت من فاعلين و مهنيين و متابعين للشأن الإعلامي، و الذين دعوا في أكثر من مناسبة إلى تقييم الحصيلة العامة للقطاع وفق مقاربة تستند إلى مؤشرات واضحة و قابلة للقياس.
كما شهد القطاع خلال فترات متفرقة حالات من التوتر الاجتماعي تجلت في أشكال احتجاجية متنوعة، شملت وقفات و اعتصامات و حمل شارات احتجاجية و مراسلات مهنية و نقابية، في تعبير عن مطالب اجتماعية و مهنية مرتبطة بظروف العمل و آليات الحوار الداخلي. و تعكس هذه المؤشرات، بصرف النظر عن حجمها أو طبيعتها، وجود حاجة مستمرة إلى تطوير قنوات التواصل الاجتماعي و المؤسساتي داخل القطاع.
و من جانب آخر، عرفت بعض الملفات انتقالاً من المجال الإداري و المهني إلى المجال القضائي، من خلال نزاعات عرضت على أنظار القضاء من قبل عاملين أو متعاونين أو مسؤولين سابقين في قضايا مرتبطة بأوضاع مهنية وإدارية مختلفة. و مادام اللجوء إلى القضاء حقاً يكفله القانون، فإن تعدد مثل هذه الملفات يطرح بدوره أسئلة مرتبطة بمدى فعالية آليات التدبير الداخلي و قدرتها على معالجة الإشكالات قبل وصولها إلى المسارات القضائية.
كما ساهمت بعض المعطيات التي تم تداولها بشأن ملفات مالية و إدارية في توسيع دائرة النقاش حول أهمية تطوير آليات المراقبة و التدقيق و التقييم داخل المؤسسات العمومية، ليس من منطلق إصدار أحكام مسبقة، و إنما من زاوية تعزيز مبادئ الحكامة و ربط تدبير الشأن العام بمنطق النجاعة و الشفافية.
و عندما تتقاطع مؤشرات متعددة تشمل الاحتجاجات المهنية، و تكرار النقاشات حول أساليب التدبير، و طرح تساؤلات مرتبطة بالحصيلة و النتائج، يصبح من الطبيعي أن يبرز سؤال جوهري يتعلق بمدى الحاجة إلى مراجعة بعض المقاربات التدبيرية المعتمدة، بما ينسجم مع التحولات المتسارعة التي يشهدها المجال الإعلامي على المستويين الوطني و الدولي.
إن جوهر النقاش اليوم لا يرتبط بأشخاص أو مواقع بعينها بقدر ما يتعلق بفلسفة التدبير ذاتها. فالمغرب راكم على امتداد عقود رصيداً مهماً من الكفاءات و الخبرات الوطنية القادرة على الإسهام في تطوير المؤسسات العمومية وتحديث آليات اشتغالها. كما أن تجديد النخب الإدارية و توسيع دائرة المسؤولية يندرجان ضمن الدينامية الطبيعية التي تفرضها متطلبات التطور المؤسسي.
و في هذا الإطار، يبرز المبدأ الدستوري القائم على ربط المسؤولية بالمحاسبة باعتباره أحد المرتكزات الأساسية للحكامة الجيدة، ليس باعتباره آلية للعقاب أو الإدانة، بل باعتباره إطاراً مؤسساتياً لتقييم الأداء و ربط الاستمرارية بالنتائج المحققة و الأثر الفعلي للسياسات المعتمدة.
فالمؤسسات الناجحة لا تقاس بعدد سنوات التدبير أو بطول مدة الاستمرار في مواقع المسؤولية، و إنما بقدرتها على تحقيق التراكم الإيجابي و تجديد الرؤى و تعزيز الثقة. لذلك، يبدو أن الرهان الحقيقي اليوم لم يعد مرتبطاً فقط بإصلاح أدوات العمل، بل بإرساء ثقافة مؤسساتية تجعل من الكفاءة و الشفافية و المحاسبة أساساً لأي مشروع إصلاحي مستدام.

