أنوار يكتب بدون لغة خشب ولا تعميم: شبيبات حزبية وتنظيمات مدنية داخل وخارج أرض الوطن… رقصات على أنغام الدعم العمومي وغياب شبه تام عن الدعم الوطني

أنوار يكتب بدون لغة خشب ولا تعميم: شبيبات حزبية وتنظيمات مدنية داخل وخارج أرض الوطن… رقصات على أنغام الدعم العمومي وغياب شبه تام عن الدعم الوطني

 

 

بقلم أنوار قورية – خبير في الذكاء الترابي والحكامة الرقمية

في زمن تتكاثر فيه الاستهدافات التي تطال صورة المغرب ومؤسساته، يصبح الصمت موقفا، والحياد تواطؤا أخلاقيا، والاختباء خلف شعارات العمل الجمعوي والتأطير الشبابي مجرد قناع يخفي انتهازية سياسية ومدنية تعيش على المال العام أكثر مما تعيش من أجل الوطن، فقد آن الأوان لطرح سؤال لا يحتمل المزيد من المجاملة، ماذا قدمت الشبيبات الحزبية والتنظيمات المدنية للمغرب عندما يكون في أمس الحاجة إليها؟
لسنوات طويلة، ظلت خزائن الدولة تفتح أبوابها أمام عشرات الجمعيات والشبيبات الحزبية(بالداخل والخارج)، عبر الدعم العمومي، واعتمادات الجماعات الترابية، وبرامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، تحت مبررات نبيلة تتعلق بالتأطير والتكوين والمواطنة، لكن عند أول اختبار حقيقي، وعندما تعرضت بلادنا لحملات ممنهجة تستهدف مؤسساتها ووحدتها الترابية وصورتها الدولية، اختفى الجميع، وكأن الوطن لا يعنيهم إلا عندما يتعلق الأمر بتوقيع اتفاقية دعم أو انتظار تحويل دفعة مالية جديدة، وطننا اليوم يا سادة، لا يعيش ظرفا عاديا، بل يواجه حربا متعددة الواجهات، حرب إعلامية، وحرب رقمية، وحرب دعائية، وحرب بالوكالة تقودها أطراف لا تخفي عداءها للمملكة المغربية، من قضية علي لمرابط، إلى الضجة المفتعلة حول برنامج بيغاسوس، مرورا بمحاولات استغلال ما سمي بـقافلة الصمود الدولية لتقديم بلادنا في صورة دولة احتلال، وصولا إلى حملات التشويه التي تستهدف مؤسسات الدولة ورموزها… كلها معارك تتطلب تعبئة وطنية حقيقية، لا بيانات موسمية ولا صمتا باردا، لكن أين هي تلك التنظيمات التي لا تتردد في الحديث عن الديمقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان؟ أين هي الشبيبات الحزبية التي تدعي تمثيل الشباب؟ أين هي الجمعيات التي تستهلك ملايين الدراهم تحت عنوان تعزيز المشاركة المواطنة؟ الحقيقة المؤلمة أنها غائبة، غيابا يثير الريبة أكثر مما يثير الاستغراب، فقد تحول جزء كبير من هذا النسيج إلى صناعة قائمة بذاتها، صناعة الدعم العمومي، موسم إعداد الملفات، موسم توقيع الاتفاقيات، موسم التقارير الشكلية، ثم سبات طويل إلى حين حلول موسم دعم جديد، أما الوطن، فإذا تعرض لهجمة أو حملة تشويه أو استهداف لثوابته، فإن الصمت يصبح اللغة الرسمية، وكأن الدفاع عن الدولة ليس من اختصاصهم، لذلك، لا يمكن أن تستمر الدولة في تمويل هيئات لا تظهر إلا في الصور التذكارية والندوات الفارغة والملتقيات التي استهلكت عناوينها حتى فقدت معناها، لم يعد مقبولا أن تتحول الأموال العمومية إلى مورد رزق دائم لتنظيمات لا تملك الجرأة على إعلان موقف عندما تكون المؤسسات الوطنية في قلب الاستهداف.
إن أخطر ما في الأمر ليس فقط الغياب، بل البرود المريب تجاه ما يمس صورة الدولة ومؤسساتها، فالصمت أمام حملات التشويه لا يمكن اعتباره حيادا، لأن الوطن لا يحتمل المنطقة الرمادية، ومن يختار الصمت في معركة تستهدف الدولة، فإنه يمنح خصومها مساحة أكبر للتحرك، حتى وإن لم يقصد ذلك، اليوم بات من الضروري السير نحو إعادة تقييم سياسة الدعم العمومي، فالدعم ليس حقا أبديا، ولا امتيازا يمنح دون مقابل، إنه استثمار من الدولة في هيئات يفترض أن تكون شريكا في ترسيخ قيم المواطنة والدفاع عن المصالح العليا للوطن، وإذا ثبت أن هذا الاستثمار لا يحقق أهدافه، فمن واجب الدولة إعادة توجيه المال العام إلى من يستحقه فعلا، المطلوب اليوم ليس جمعيات تتقن لغة المشاريع أكثر من لغة الوطنية، ولا شبيبات تحفظ شعارات الديمقراطية وتنسى واجب الدفاع عن الوطن عندما تشتد الأزمات، المطلوب تنظيمات تعتبر الدفاع عن المغرب جزءا من رسالتها، لا نشاطا اختياريا تمليه الظروف، يجب ان تضع الدولة حدا لتوزيع الدعم بمنطق الكم، حيث أصبح لزاما عليها اليوم، ربطه بالالتزام الوطني، وبالأثر الحقيقي، وبالحضور الفعلي في معارك الوطن، فمن يريد أموال الدولة، عليه أولا أن يثبت أنه يقف مع الدولة عندما تحتاج إليه، لا أن يتحول إلى متفرج بارد، أو باحث دائم عن التمويل، أما الاستمرار في تمويل تنظيمات لا يظهر منها سوى المطالبة بالدعم، بينما تغيب عن معارك الدفاع عن الوطن وثوابته ومؤسساته، فهو هدر للمال العام قبل أن يكون خطأً في تدبير الأولويات، فالوطن ليس صندوق تمويل مفتوحا، والوطنية ليست شعارا يرفع في المناسبات، ومن لا يكون في صف المغرب عندما تتعرض مؤسساته ورموزه للاستهداف، فلا يحق له أن يطالب المغاربة بتمويل صمته من أموالهم.
أخيرا، لقد حان الوقت لفرز الصفوف بوضوح، إما شراكة حقيقية مع الدولة في الدفاع عن الوطن وثوابته، وإما مراجعة شاملة لسياسة الدعم العمومي، حتى تصل أموال المغاربة إلى من يخدم المغرب، لا إلى من يكتفي بالرقص على أنغام الدعم العمومي بينما يغيب تماما عن إيقاع الواجب الوطني.

admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *