الإعلام العمومي.. هل تملك الحكومة الجديدة شجاعة فتح الملف المؤجل ؟.

الإعلام العمومي.. هل تملك الحكومة الجديدة شجاعة فتح الملف المؤجل ؟.

مع تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، و تكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة، تدخل البلاد مرحلة سياسية جديدة يفترض أن تكون عنواناً لانتظارات جديدة، ليس فقط على مستوى الأشخاص و الحقائب الحكومية، و إنما أيضاً على مستوى طريقة تدبير الملفات العمومية التي ظلت لسنوات تنتظر أجوبة واضحة و قرارات حاسمة.

و من بين هذه الملفات يبرز **الإعلام العمومي**، باعتباره واحداً من القطاعات التي لا يمكن اختزالها في مجرد مؤسسات و شركات و قنوات و إذاعات، و إنما يتعلق الأمر بمرفق عمومي يؤدي وظيفة أساسية في المجتمع، و يستهلك موارد مالية عمومية، و يضطلع بمسؤولية كبيرة في نقل المعلومة و مواكبة القضايا الوطنية و الثقافية و الاجتماعية، و صناعة صورة المغرب لدى المواطن و في الخارج.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: **هل سيحظى الإعلام العمومي بالمكانة التي يستحقها داخل أولويات الحكومة الجديدة؟**

لسنوات، ظل قطاع الإعلام العمومي يعيش على وقع مجموعة من الإشكالات المرتبطة بالحكامة و التدبير و الأنظمة و القوانين و المساطر، إلى جانب أسئلة متكررة حول مردودية المؤسسات و قدرتها على مواكبة التحول الكبير الذي عرفه المشهد الإعلامي و الرقمي.

و في الوقت الذي تغير فيه العالم الإعلامي بشكل جذري، و انتقلت المنافسة من الشاشة التقليدية إلى المنصات الرقمية و الهواتف وشبكات التواصل الاجتماعي، ظل جزء من النقاش حول الإعلام العمومي المغربي يدور حول الأسئلة نفسها، و كأن الزمن الإعلامي يتحرك بسرعة أكبر من قدرة القطاع على التجدد.

و هنا لا يتعلق الأمر فقط بتغيير البرامج أو تحديث المعدات أو إطلاق منصات رقمية جديدة.

السؤال أعمق من ذلك.

إنه سؤال **النموذج و الحكامة و المسؤولية و النتائج**.

فهل تم فعلاً تقييم أداء الإعلام العمومي خلال السنوات الماضية تقييماً شاملاً و مستقلاً؟ و هل جرى قياس مدى تحقيق الأهداف التي من أجلها ترصد الدولة ميزانيات مهمة لهذا القطاع؟ و هل تمت مراجعة طرق التدبير و الهياكل و الأنظمة بما يتلاءم مع التحولات التي يعرفها الإعلام على المستوى الدولي؟

ثم هناك سؤال آخر أكثر حساسية:

**لماذا ظل تغيير المسؤوليات في قطاع الإعلام العمومي موضوعاً مؤجلاً، في الوقت الذي عرفت فيه قطاعات عمومية أخرى إعادة هيكلة و تغييراً في المسؤوليات كلما برزت الحاجة إلى ذلك؟**

ليس المقصود من هذا السؤال إصدار حكم مسبق على أي مسؤول، و لا اختزال حصيلة مؤسسات كاملة في شخص واحد، و إنما مساءلة منطق التدبير العمومي نفسه.

فالمسؤولية العمومية ليست امتيازاً دائماً، و إنما هي مسؤولية مرتبطة بالنتائج، و تحتاج، مثلها مثل باقي المسؤوليات، إلى التقييم الدوري و إلى التجديد عندما تفرض التحولات ذلك.

و في هذا السياق، يظل استمرار فيصل العرايشي في موقع المسؤولية داخل المؤسسات الأساسية للإعلام العمومي موضوعاً مشروعاً للنقاش العمومي، ليس من زاوية الأشخاص، و إنما من زاوية **الحكامة و تجديد المسؤوليات و قياس النتائج**.

فبعد سنوات طويلة من المسؤولية، يصبح من الطبيعي أن يطرح الرأي العام و المهنيون سؤالاً بسيطاً: ما الذي تحقق؟ و ما الذي لم يتحقق؟ و ما الذي يحتاج إلى تغيير؟

هذه الأسئلة ليست استهدافاً لأحد، بل هي من صميم ثقافة ربط المسؤولية بالنتائج.

### وزير التواصل.. أين تبدأ مسؤوليته و أين تنتهي؟

هناك أيضاً إشكال آخر لا يقل أهمية، يتعلق بموقع وزير التواصل نفسه.

فإذا كان الإعلام العمومي مرفقاً استراتيجياً، و إذا كانت الدولة تضع السياسات العامة المتعلقة به، فإن الرأي العام يحتاج إلى معرفة الحدود الفعلية لتدخل الوزير المسؤول عن قطاع التواصل، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمؤسسات عمومية تعرف نقاشات متواصلة حول القوانين و الأنظمة الداخلية و المساطر و الحكامة و العلاقات المهنية و تدبير الموارد البشرية.

فليس من المنطقي أن يكون الوزير مسؤولاً عن قطاع التواصل، بينما يبدو مجال تدخله في جزء أساسي من الإعلام العمومي محدوداً إلى درجة تجعل المهنيين يتساءلون عن الجهة التي تملك القرار الحقيقي في الملفات الكبرى.

و هنا تبرز ضرورة التمييز بين **التدخل في التسيير اليومي للمؤسسات**، و هو أمر له ضوابطه، و بين **المسؤولية الحكومية عن السياسات العمومية و التوجهات الكبرى و الحكامة و التقييم**.

إن وجود مؤسسات عمومية ذات استقلال في التدبير لا يعني بالضرورة غياب المسؤولية الحكومية عن نتائج السياسة العمومية التي تخص القطاع.

### الإصلاح.. من الشعار إلى الاختبار الحقيقي

الحكومة الجديدة، التي يجري تشكيلها بعد انتخابات شتنبر 2026، تواجه منذ البداية اختباراً مهماً يتمثل في مدى قدرتها على تحويل الشعارات المتعلقة بالإصلاح و التغيير إلى سياسات و قرارات قابلة للقياس.

و قد أعلنت رئيسة الحكومة المكلفة، عقب تعيينها، أنها ستعمل على اقتراح حكومة تكون في مستوى انتظارات الملك و المواطنات و المواطنين.

و من هنا، فإن ملف الإعلام العمومي سيكون أحد الملفات التي يمكن من خلالها قياس جدية أي تصور جديد للإصلاح.

فالحديث عن إصلاح التعليم و الصحة و الإدارة و الاستثمار و التحول الرقمي لا يمكن أن ينفصل عن إصلاح الإعلام العمومي، لأن الإعلام هو الذي يواكب هذه الأوراش و يشرحها للمواطن، و ينقل النقاش العمومي حولها، و يمنح المجتمع فضاءً للتعبير و النقاش.

كما أن التحول الرقمي الذي تعرفه البلاد يجعل الحاجة إلى إعلام عمومي قوي و مهني و متجدد أكثر إلحاحاً، و ليس أقل.

لقد أصبح المواطن المغربي قادراً على الوصول إلى آلاف مصادر الأخبار و المعلومات في ثوانٍ معدودة. و بالتالي فإن الإعلام العمومي لم يعد ينافس فقط المؤسسات الإعلامية الوطنية التقليدية، و إنما ينافس فضاءً عالمياً مفتوحاً لا يتوقف عن التطور.

و هنا لا تكفي زيادة الميزانيات.

فالمال العمومي يحتاج إلى حكامة، و الحكامة تحتاج إلى أهداف، و الأهداف تحتاج إلى مؤشرات للنتائج، و النتائج تحتاج إلى تقييم و مساءلة.**

 هل حان وقت القرار؟

ربما يكون السؤال الحقيقي الذي ينتظر الجواب من الحكومة الجديدة ليس: من سيكون وزير التواصل؟ و إنما:

ما الذي ستفعله الحكومة تجاه الإعلام العمومي؟

– هل ستكتفي بإعادة إنتاج الهياكل نفسها مع تغيير بعض العناوين؟

أم ستفتح ورشاً حقيقياً لتقييم النموذج الحالي؟

– هل ستتم مراجعة الأنظمة و القوانين و المساطر التي تؤطر القطاع؟

– هل سيتم تقييم أداء المؤسسات على أساس مؤشرات واضحة؟

– هل سيتم فتح المجال أمام الكفاءات المهنية الجديدة؟

– هل ستتم مراجعة طريقة اختيار المسؤولين و تجديد المسؤوليات؟

و هل سيصبح ربط المسؤولية بالنتائج قاعدة مطبقة على الإعلام العمومي كما هو الحال في باقي القطاعات؟

هذه الأسئلة لا تستهدف أشخاصاً بعينهم، و إنما تستهدف **منظومة تدبير قطاع عمومي كامل**.

فإذا كانت الدولة تريد إعلاماً عمومياً قادراً على المنافسة، و مواكباً للتحولات الرقمية، و قادراً على استعادة ثقة الأجيال الجديدة، فإن الأمر يحتاج إلى أكثر من شعارات الإصلاح.

يحتاج إلى قرار سياسي و مؤسساتي واضح بشأن النموذج الذي يراد لهذا الإعلام أن يكون عليه.

و قد يكون تشكيل الحكومة الجديدة فرصة لإعادة فتح هذا الملف من زاوية مختلفة: لا باعتباره ملفاً إدارياً عادياً، و إنما باعتباره جزءاً من مشروع تحديث الدولة و المرفق العمومي.

 الإعلام العمومي ليس قطاعاً ثانوياً

ربما آن الأوان أيضاً لكي يتغير موقع الإعلام في سلم الأولويات الحكومية.

فالإعلام ليس مجرد قطاع ينتظر ما يتبقى من الاهتمام بعد الملفات الاقتصادية و الاجتماعية.

إنه أحد مكونات الدولة الحديثة.

و حين يكون الإعلام العمومي قوياً و مهنياً و متجدداً، فإنه يصبح شريكاً في التنمية و في بناء الوعي المجتمعي و في مواكبة التحولات الوطنية.

و حين تتعثر حكامته أو تتأخر إصلاحاته، فإن آثار ذلك لا تبقى داخل المؤسسات الإعلامية وحدها، بل تمتد إلى علاقة المواطن بالإعلام و بالمعلومة و بالمؤسسات.

لذلك، فإن السؤال المطروح أمام الحكومة التي ستتشكل اليوم ليس فقط: **من سيدبر قطاع التواصل؟**

بل السؤال الأكبر:

**أي إعلام عمومي نريد للمغرب في السنوات المقبلة؟ و من يملك شجاعة اتخاذ القرار الذي ينقل هذا القطاع من مرحلة الإصلاح المؤجل إلى مرحلة الإصلاح الفعلي؟**

ذلك هو الاختبار الحقيقي.

فالإصلاح لا يقاس بعدد الشعارات التي ترفع، و لا بعدد المشاريع التي تعلن، و إنما بما يحدث فعلياً عندما تصل لحظة اتخاذ القرار.

و الإعلام العمومي، بعد سنوات من الانتظار و النقاش، يبدو أنه وصل إلى هذه اللحظة.

admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *