أنورا يكتب: ذاكرة المؤسسات الاستراتيجية تحت رحمة الآلة… تهديدات ومخاطر تساءل وزارة الذكاء الاصطناعي
بقلم الدكتور أنوار قورية – خبير في الذكاء الترابي والحكامة الرقمية
في التاسع عشر من أكتوبر 2026، كشفت وزارة الأمن الداخلي الأميركية عن أمر رسمي، وُقّع منذ يوليوز الماضي، يُلزم الوكالات الفيدرالية المدنية، من الخزانة إلى الخارجية والعدل، باقتلاع كل منتجات شركة DeepSeek الصينية من أنظمتها المعلوماتية، ويمنع التعاقد معها مستقبلا، ويمتد ليشمل حتى الخدمات التي طوّرها طرف ثالث اعتمادا على نماذجها، قرار لم يأت من فراغ، بل جاء تتويجا لمسار بدأ مطلع 2025 بإجراءات البحرية الأميركية ووكالة ناسا والبنتاغون، ومرّ بحظر وزارة التجارة لتطبيقات الشركة على أجهزة الحكومة، ثم بمنع هذه النماذج داخل أنظمة مجتمع الاستخبارات بقرار من الكونغرس في دجنبر 2025،
لم تقل واشنطن إن الذكاء الاصطناعي خطر في ذاته، بل قالت شيئا أدق، إن الأداة التي تُستعمل داخل الإدارة قد تتحول إلى قناة تنقل بيانات الدولة إلى خارج حدودها، وإن نموذجا يجمع المعطيات الشخصية ويتتبع مستخدميه قد يحمل في بنيته ثغرات أو برمجيات خبيثة، والأهم أنها طالبت الوكالات، في انتظار الإزالة الكاملة، بمراقبة حركة الشبكات وتشديد السجلات ورصد كل تدفق غير مألوف للبيانات، أي أنها انطلقت من فرضية أن الضرر قد يكون وقع بالفعل.
من هنا يطرح السؤال على وزارتنا المكلفة بالذكاء الاصطناعي بلا مواربة، هل ستبادر إلى تنسيق عاجل مع القوات المسلحة الملكية ووزارة الداخلية واللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي والمديرية العامة لأمن نظم المعلومات التابعة لإدارة الدفاع الوطني، من أجل وضع إطار ملزم يمنع الاستخدام العشوائي لتطبيقات وأدوات الذكاء الاصطناعي داخل الثكنات العسكرية، المواقع الاستراتيجية والإدارات العمومية وعبر شبكاتها الداخلية؟ أم أننا سننتظر تسريبا مدويا حتى نكتشف أن الإدارة كانت تُغذّي بحسن نية، خوادم لا نعرف أين توجد ولا من يملك مفاتيحها؟ الحقيقة التي يتهرب منها كثيرون أن الموظف بشكل عام الذي ينسخ مذكرة داخلية أو محضر اجتماع أو جدولا لمعطيات استراتيجية حيوية ويلصقه في نافذة محادثة ذكية بحثا عن تلخيص سريع أو صياغة أنيقة، لا يرتكب خطأ تقنيا فقط، بل يُخرج وثيقة من حرز الدولة إلى منصة أجنبية تحكمها قوانين بلد آخر وشروط استخدام قلّما تُقرأ، وحين يتكرر هذا السلوك آلاف المرات يوميا في المصالح العسكرية، الأمنية، الترابية والادارية المركزية واللاممركزة، فنحن لا نتحدث عن حوادث معزولة، بل عن نزيف صامت ومنهجي للذاكرة المؤسساتية، وتكمن خطورة هذه النماذج في قدرتها الفائقة على استيعاب البيانات المؤسساتية الحيوية وتحليلها وربط شذراتها المتفرقة بكفاءة لا يملكها أي جهاز بشري، فما يبدو اليوم معلومة تافهة في طلب لصياغة رسالة، قد يصبح غدا لبنة في صورة كاملة عن طرق اشتغال الإدارة وتراتبيتها ونقاط ضعفها ومسارات قراراتها، وهذه الصورة، إذا اكتملت لدى جهة أجنبية أو فاعل معادٍ، يمكن توظيفها في الابتزاز أو الاختراق أو التأثير أو التضليل، بما قد يعود بالكارثة على الإدارة المغربية برمتها.
إن وزارة الداخلية ليست طرفا ثانويا في هذه المعادلة، فهي تشرف على شبكة واسعة من العمالات والأقاليم والجماعات الترابية والمصالح الخارجية، تمر عبرها يوميا معطيات الحالة المدنية والانتخابات والأمن والتعمير والدعم الاجتماعي، وأي تساهل على هذا المستوى الترابي، حيث الرقابة التقنية أضعف والتكوين الرقمي أقل، يجعل من الإدارة اللاممركزة الحلقة الأضعف التي قد ينفذ منها الخطر إلى قلب الدولة، أما اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، فمسؤوليتها بموجب القانون 09.08 لا تقتصر على تلقي الشكايات ومنح التصاريح، بل تمتد إلى التنبيه الاستباقي حين تتحول معطيات المواطنين إلى مادة تُنقل خارج التراب الوطني دون سند قانوني، فالمواطن الذي يودع ملفه لدى إدارة عمومية لم يمنح موافقته على أن تمر بياناته عبر نموذج لغوي أجنبي، ولا ينبغي أن يكتشف ذلك بعد فوات الأوان،
وفي قلب هذه المنظومة تقف كل من القوات المسلخة الملكية والمديرية العامة لأمن نظم المعلومات، هذه الأخيرة، التابعة لإدارة الدفاع الوطني، بما خوّلها القانون 05.20 المتعلق بالأمن السيبراني من صلاحيات في وضع المعايير وتأمين البنيات الحيوية والإنذار بالمخاطر، والمطلوب منها اليوم أن ترفع مستوى اليقظة إلى أقصاه، جرد الأدوات المستعملة فعليا داخل الشبكات الحكومية، وحجب المنصات غير المرخصة على مستوى الانترانت، وإصدار لائحة واضحة بما هو مسموح وما هو محظور، مع مراقبة تدفقات البيانات نحو الخارج كما فعلت واشنطن… لا يعني ماسبق أن نعادي الذكاء الاصطناعي أو نغلق الإدارة في وجه التحول الرقمي، فالمملكة المغربية تراهن عن حق على هذه التقنيات لتحديث مرافقها، لكن الفرق شاسع بين تبنٍّ مؤطر لأدوات سيادية أو مدقَّقة، تُستضاف بياناتها داخل التراب الوطني وتخضع للمراقبة والمساءلة، وبين فوضى استخدام فردي لا تحكمها مذكرة ولا يضبطها دليل، فسبق أن أشرت في مقالي السابق أن السيادة الرقمية لا تُبنى بالخطابات، بل بقرار إداري صارم يحدد من يستعمل ماذا، وأين، وبأي ضمانات.
إن التراخي المؤسساتي في هذا الملف ليس مجرد تقصير إداري يمكن تداركه بمذكرة لاحقة، بل هو ثغرة قد تفضي إلى انهيار الأمن المؤسساتي من الداخل، بصمت ودون ضجيج، والسؤال الموجه إلى وزارة الذكاء الاصطناعي ليس من باب الواجب الاعلامي، بل نداء من خبير في المجال لتحمل المسؤولية قبل أن يأتي الجواب عنه في تقرير لجنة تحقيق، فالدول التي سبقتنا إلى هذه الأدوات سبقتنا أيضا إلى تحصين مؤسساتها الاستراتيجية والحيوية منها، والأجدر بنا أن نتعلم من قرارها، لا من خسارتنا وفشلنا في تدارك الضربة الأولى.


