اقتراب عيد الأضحى يفاقم تخوف المغاربة من أسعار ملتهبة

مع اقتراب عيد الأضحى، يحاول المختصون طمأنة الناس، مشيرين إلى وفرة المعروض وانخفاض الأسعار. لكن على أرض الواقع، لا تزال الأسعار مرتفعة بالنسبة للعديد من الأسر. تكمن المشكلة ليس في توفر المواشي بقدر ما تكمن في دور الوسطاء، أو ما يُعرف بـ”الشناقة”، الذين يستمرون في رفع الأسعار.
قبل أسابيع قليلة من عيد الأضحى المبارك لعام 2026، تتناقض رسالة خبراء القطاع بشكل حاد مع توجهات المستهلكين. فمن جهة، يُظهر القطاع ثقة مدعومة بوفرة الثروة الحيوانية وتحسن الأحوال الجوية. ومن جهة أخرى، تعاني الأسر من صعوبة مواكبة ارتفاع الأسعار في ظل محدودية القدرة الشرائية.
ومع ذلك، فإن المؤشرات التي طرحها أصحاب المصلحة في القطاع تهدف إلى طمأنة المستهلكين، إذ يعتبر قطيع الماشية الوطني، الذي يقدر بنحو 32.8 مليون رأس، بما في ذلك أكثر من 23 مليون رأس من الأغنام، كافيا لتلبية طلب السوق. كما ساهمت الأمطار الأخيرة، التي عززت تجدد المراعي، في تخفيف التكاليف على المزارعين جزئيا، لا سيما تكاليف تربية الحيوانات الصغيرة.
في هذا السياق، يتوقع المختصون سوقا أكثر توازنا، حيث من المفترض أن تُسهم المنافسة بين البائعين في خفض الأسعار. ويؤكدون قائلين: “بإمكان أي شخص يملك ألفي درهم شراء أضحيته هذا العام”، مشيرين إلى تنوع العروض المتاحة التي تناسب مختلف مستويات الدخل.
إلا أن هذا التفاؤل لا ينعكس بشكل كامل على أرض الواقع. وتؤكد بيانات التعداد الزراعي وفرة المعروض، إذ يمتلك المغرب أكثر من 23 مليون رأس من الأغنام ونحو 7.5 مليون رأس من الماعز. وباحتساب المواليد هذا الموسم ومخزون العام الماضي، سيتجاوز المعروض المتاح 13 مليون رأس، بينما يقدر الطلب بنحو 6 ملايين رأس للذبح.
و يؤكد هذا التفسير تحليلات عبد الله بوتشيشي، المستشار الزراعي المعتمد لدى وزارة الفلاحة، الذي صرح بأن المؤشرات المتاحة تعكس وضعا مطمئنا بشكل عام. إلا أنه أشار إلى “فجوة حقيقية بين البيانات الإحصائية وتصورات المواطنين”، ملفتا الانتباه إلى وجود فجوة مستمرة بين وفرة الثروة الحيوانية والأسعار السائدة في السوق. ووفقا لتقديراته، في تصريح صحفي، يتجاوز العرض المحتمل 13 مليون رأس، بينما لا يتجاوز الطلب المحلي 6 ملايين رأس، مما يؤكد وجود فائض هيكلي.
من المنطقي أن يؤدي هذا الخلل إلى انخفاض الأسعار، لكن في العديد من الأسواق الحضرية، تبقى الأسعار مرتفعة، وأحيانا منفصلة عن هذه العوامل الأساسية. يبرز هذا الوضع عاملا حاسما، بات يدركه المتخصصون أنفسهم بشكل متزايد: دور قنوات التوزيع.
يلعب الوسطاء أو ما يعرفون بـ”الشناقة”، دورا محوريا بين المزارع والمستهلك النهائي. ويتجلى هذا الدور، الذي يزداد حدة مع اقتراب عيد الأضحى، في شراء الأضاحي وإعادة بيعها، مع تراكم هوامش الربح في كل مرحلة. والنتيجة: سعر نهائي ينحرف تدريجيا عن قيمته الأصلية. ويلخص العاملون في هذا القطاع الأمر قائلين: “كلما زاد عدد الوسطاء، ارتفع السعر”، داعين المستهلكين إلى تفضيل سلاسل التوريد القصيرة.
في هذا السياق، تبرز أسواق المواشي، أو “الرحبة”، كبديل أكثر شفافية. فالعرض واضح، والبائعون كثر، والتفاوض المباشر يتيح تحديد أسعار أكثر توازنا. وإدراكا لهذه المشكلة، شجعت السلطات على افتتاح عشرات من هذه الأسواق في أنحاء البلاد للحد من استخدام قنوات الوساطة. مع ذلك، لا يزال وصول العديد من سكان المدن إلى هذه الأسواق محدودا، مما يفسح المجال أمام “التجار” الذين ما زالوا يسيطرون على جزء كبير من السوق.
علاوة على ذلك، فبينما ساهمت الظروف المناخية الجيدة في تحسين المراعي، إلا أنها لم تُزل القيود الهيكلية. لا تزال تكلفة علف الحيوانات مرتفعة، لا سيما بالنسبة للأغنام المخصصة لعيد الأضحى، والتي تتطلب تسمينا خاصا. يُضاف إلى ذلك ارتفاع تكاليف النقل، المرتبط ارتباطا مباشرا بارتفاع أسعار الوقود، مما يثقل كاهل سلسلة التوريد بأكملها.
قد تُبرر هذه العوامل، منفردة، ارتفاع الأسعار، ولكن في ظل وفرة المعروض، ينبغي أن تُوازن المنافسة هذا الارتفاع جزئيا. وهذه الآلية تحديدا هي التي تُعطلها قنوات الوساطة. وكما لوحظ مؤخرا مع منتجات زراعية أخرى، كالبصل وزيت الزيتون، يبقى تعديل الأسعار ممكنا مع اقتراب العيد، نظرا لزيادة المعروض. ولكن في الوقت الراهن، تؤجج الفجوة بين توقعات القطاع وواقع السوق حالة عدم اليقين.
بعيدا عن الوضع الراهن، يسلط سوق عيد الأضحى الضوء على مشكلة أعمق: تنظيم قنوات التوزيع. فبينما قد تكون المواشي متوفرة ويتم التحكم في الطلب، إلا أن السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك يعتمد بشكل كبير على سلسلة التسويق. وطالما استمر تجار المواشي التقليديون في السيطرة على جزء كبير من هذه السلسلة، فإن وعد عيد أضحى بأسعار معقولة قد يبقى بعيد المنال بالنسبة للكثيرين.

