خيانة الحقيقة: في نقد “المريد” و”الأكاديمي” لسقطات المتبوع

خيانة الحقيقة: في نقد “المريد” و”الأكاديمي” لسقطات المتبوع

 

مقدمة: الميثاق المنسي

إن أسمى ميثاق يربط الإنسان بغيره، سواء كان في حلقة صوفية أو في رحاب جامعة، هو ميثاق البحث عن الحقيقة. فالمعلم، شيخاً كان أو أستاذاً، ليس إلا دليلاً يضيء الطريق، فإذا تحوّل الدليل إلى عائق يحجب رؤية الحق، أو صار صنماً يُعبد من دون القيم، فُسخت الرابطة وسقطت الأمانة.

إنني أفضّل ألف مرة تلميذاً يمتلك شجاعة الجهر بالحق على مريد ينسج من لغته غطاءً لتبرير ما لا يُبرر.

سيكولوجية التبرير: التقديس الذي يغتال الوعي

في الدوائر الروحية، يُساء أحياناً فهم “الأدب” ليصير مرادفاً لإلغاء العقل. يرى المريد شيخه في موقف يتنافى مع المبادئ، فبدل أن يغار على المنهج يهندس “تأويلات” خرقاء، واصفاً السقطة بأنها “حكمة خفية”. وقد سبقنا الإمام أحمد زروق إلى تشخيص هذا الداء في “عدة المريد الصادق”، حين فصّل القول فيمن ادُّعيت له المشيخة وليس من أهلها، مميّزاً بين الشيخ المربي الصادق والمتشبّه بالمشيخة. كما يقول ابن عطاء الله في “لطائف المنن”: “ليس شيخك من سمعت منه، وإنما شيخك من أخذت عنه، وليس شيخك من واجهتك عباراته، وإنما شيخك الذي سرت فيك إشارته”.
ولا يقف هذا السلوك عند حدود سوء الفهم، بل يجد جذوره في بنية نفسية ورمزية معقدة. فالمريد — وحتى الأكاديمي — لا يدافع عن متبوعه دائماً عن قناعة، بل كثيراً ما يفعل ذلك خوفاً من انهيار المعنى الذي بنى عليه تجربته؛ إذ إن الاعتراف بخطإ المتبوع يهدد تصوّره للعالم. كما أن طول الاستثمار العاطفي والزمني في العلاقة يجعل التراجع مكلفاً نفسياً، فيتحول التبرير إلى آلية لحفظ التوازن الداخلي. ويُضاف إلى ذلك الحاجة إلى اليقين، إذ يوفر المتبوع إحساساً بالثبات في عالم متقلب، فيُقاوَم كل ما قد يزعزع هذه الطمأنينة. ثم تأتي السلطة الرمزية التي يكتسبها الشيخ أو الأستاذ، فتُنتج هيبةً تجعل نقده يبدو كأنه خروج عن النظام لا مجرد تصحيح. فمن جعل البشر معياراً للحق بدلاً من جعل الحق معياراً للبشر، فقد ضل سعيه.

خيانة الأكاديمي: حين تسقط “المرجعية” في فخ “التبعية”
تشتد الصدمة حين ننتقل من العوام إلى النخبة الجامعية. يُفترض في الأكاديمي أن يكون حارساً للمنطق والصرامة النقدية، وأن سلاحه الوحيد هو الدليل. لكننا نصطدم بنماذج لأكاديميين يستخدمون أدواتهم المعرفية الرفيعة لا للبحث عن الحقيقة، بل للدفاع المستميت عن أستاذهم أو مرجعهم الفكري.
هنا نكون أمام خيانة مثقفة؛ فالعالم الذي يرى متبوعه يزيغ عن جادة الصواب، ثم يلوذ بالصمت أو يختلق الأعذار، يسقط من مرتبة الباحث إلى مرتبة المريد المطواع.
إن الشهادات العلمية لا تعصم من العمى إذا كانت الإرادة مرتهنة لشخصٍ لا لمبدأ. والأكاديمي الذي لا يجرؤ على قول “أخطأت” لمعلمه، لم يتعلم من العلم إلا قشوره، لأن جوهر العلم الاستقلال.

الميزان الأبدي: الحق أحق أن يتبع
لقد أرست الحكمة الخالدة قاعدة: “لا تعرف الحق بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله”. وللإمام أحمد زروق نفسه شاهدٌ سِيَريٌّ على ذلك: فقد كان قبل لقائه شيخَه أبا العباس الحضرمي قد انتسب إلى شيخ آخر لازمه، حتى دخل عليه يوماً في خلوته فرأى ما يخالف هدي الطريق، فقال في نفسه: “إن هذا لزنديق”، وفارقه دون فضيحةٍ ولا تشهير، طالباً المربي الصادق حتى وجده. والقصة مذكورة في “طبقات الشاذلية الكبرى” للكوهن الفاسي. وهنا الفيصل: النقد لا يُلغي الحب، والمحبة لا تُلغي الميزان. ولذلك يُشترط في النقد، روحياً وأكاديمياً، أن يكون بأدبٍ وفي حضرة الحق لا في حضرة الأنا، وأن يُقدَّم رفقاً لا قسوة، فإن “النصيحة في الملأ فضيحة، وفي الخفاء نصيحة”. فالتلميذ الحق هو من يفرح بمعلمه فيستقيم، ويرفق به إذا اعوجّ.

خاتمة: شجاعة الانفصال من أجل الاتصال
إن انتقاد التلميذ لشيخه، أو الباحث لأستاذه، في مواقف الحق ليس عقوقاً ولا سوء أدب، بل هو أسمى أنواع الوفاء لأمانة العلم والروح.
نحتاج إلى ثقافة “المسافة النقدية” التي تجعلنا نحترم الأشخاص دون تقديس، ونتبع المناهج دون تعصب. المعلم يرحل، والرموز قد تزل، لكن الحقيقة تظل القبلة الوحيدة التي لا تتبدل.
من لم يحرره علمه من سلطة “الأصنام البشرية”، فباطن الأرض خير له من ظاهرها، لأن الحقيقة مرّة، ولا يتذوق حلاوتها إلا الأحرار.

بقلم ذ. عبدالفتاح العقيلي

صورة المقال للكاتب مع الحاج معاذ شيخ الطريقة القادرية البودشيشية

admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *