أنوار يكتب: أغلبهم “باراشيتي”… إلا من رحم ربي، فلماذا الانزعاج ؟

أنوار يكتب: أغلبهم “باراشيتي”… إلا من رحم ربي، فلماذا الانزعاج ؟

ما إن راج خبر التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة، حتى تحولت منصات التواصل الاجتماعي، وخاصة الفضاء الأزرق، إلى ساحة عويل سياسي، وكأن الرجل أعلن خروجا عن الثوابت الوطنية، لا مجرد اختيار تنظيمي يكفله الدستور ويبيحه العمل السياسي.

الغريب في الأمر ليس الخبر، بل ردود الفعل التي تلته، فمن كانوا بالأمس يرفعون شعار “الأحزاب مؤسسات وطنية”، أصبحوا اليوم يتحدثون وكأن الانتماء الحزبي عقيدة منزلة، لا يجوز الاقتراب منها إلا بإذن من شيوخ القبيلة السياسية، الأكثر إثارة للسخرية أن جيوشا إلكترونية خرجت للدفاع عن زعماء أحزابها، وقدمتهم باعتبارهم رموزا للتدرج التنظيمي والوفاء الحزبي، بينما ذاكرة السياسة المغربية لا تعاني من فقدان الذاكرة إلى هذا الحد، فكم من زعيم يرتدي اليوم قميص حزب، بالأمس القريب كان يرتدي قميصا بلون آخر، وكم من قائد سياسي وصل إلى قمة الهرم دون أن يمر من درجات السلم… إنها مدرسة معروفة في الحياة السياسية المغربية، باسم مدرسة “القفز المظلي”، أو كما يحلو للبعض تسميتها معهد “الباراشيت”، دخول في الدقيقة التسعين، وهبوط مباشر على كرسي القيادة، دون عناء سنوات من النضال داخل الفروع، أو المؤتمرات، أو الكتابات المحلية والإقليمية للتنظيمات الموازية. فمن الذي يملك اليوم حق توزيع شهادات حسن الانتماء؟ هل يمكن لمن جاء إلى قيادة حزب من خارج بنيته التنظيمية أن يحاضر الناس في الوفاء الحزبي؟ وهل يحق لمن انتقل بين أكثر من تجربة سياسية أن يعتبر انتقال غيره خيانة للمبادئ؟ أين أولئك الذين صنعوا أحزابا ثم اختفوا من المشهد؟ أين أسماء كانت بالأمس عنوانا لمرحلة، فأصبحت اليوم مجرد فصل في كتاب السياسة؟ أين مصطفى الباكوري؟ وأين صلاح الدين مزوار؟ وأين حكيم بنشماس؟ وأين حميد شباط؟ السياسة لا تحفظ المقاعد لأحد، ولا تمنح صكوك الانتماء الأبدي لأحد، ولذلك، فإن منطق التخوين بسبب اختيار تنظيمي لا يصمد أمام أبسط قراءة للتاريخ السياسي المغربي. فمعظم القيادات التي تتحدث اليوم باسم “النقاء الحزبي” ليست في الأصل نتاجا لمسار تنظيمي طويل، بل جاءت إلى الواجهة بقرارات سياسية، أو بتوافقات ظرفية، أو بإعادة ترتيب للأوراق فرضتها المرحلة، فليس في هذا انتقاص من أحد، فهذه طبيعة السياسة في كثير من الديمقراطيات، لكن المعيب هو أن يتحول من استفاد من “الباراشيت” إلى أكبر المنظرين ضد من اختار الهبوط في مطار سياسي آخر.
أما فوزي لقجع، سواء اتفق معه البعض أو اختلفوا، فقد راكم حضورا في تدبير ملفات كبرى، وأصبح اسما مرتبطا بالإدارة العمومية والمالية والرياضة، وهي مسؤوليات جعلته يُنظر إليه، لدى كثيرين، باعتباره رجل دولة قبل أن يكون رجل حزب، ومن الطبيعي أن يختار الإطار السياسي الذي يراه أكثر انسجاما مع قناعاته أو مع المرحلة التي يعيشها، كما هو حق أي مواطن مغربي، فالانتماء الحزبي ليس عقد زواج كاثوليكيا، ولا سجنا مؤبدا، بل اختيار سياسي مشروع، ما دام يتم في إطار القانون واحترام المؤسسات والثوابت الجامعة للأمة.
وفي وطننا الحبيب المغرب، تبقى الأحزاب الوطنية، مهما اختلفت مرجعياتها وبرامجها، مؤسسات سياسية تعمل تحت سقف شعار واحد وخالد، هو الله، الوطن، الملك… ومن هذا المنطلق، فإن انتقال شخصية عمومية من فضاء سياسي إلى آخر لا ينبغي أن يقاس بمنطق الغنيمة أو الخسارة، بل بمنطق ما يمكن أن تضيفه تلك الشخصية من خدمة للوطن، سواء من داخل المؤسسة التنفيذية أو التشريعية أو أي موقع آخر من مواقع المسؤولية.
لذلك فنصيحتي اليوم، الى الذين ارتفعت أصواتهم احتجاجا او استفزازا تحت يافطة الطنز العكري، ربما كنتم بحاجة إلى مراجعة سيركم الذاتية السياسية قبل مراجعة خيارات الآخرين، فمن يسكن بيتا من “الباراشيت”، لا يليق به أن يرشق غيره بحجارة الانتماء…

admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *